لا تنطلق سوريا من إعادة تشكيل علاقاتها الدولية من أهمية موقعها الجيوسياسي على الخارطة العالمية وضمن التوازنات الدولية فحسب، بحيث تتموضع مع أحد الأطراف الدولية دون الأخرى، وإن كانت محورية أحد الأطراف تبدو غاية في الأهمية، لكن دمشق تستند على موقعها في الموازنة بين الشرق والغرب وبما تقتضيه مصلحتها السياسية والاقتصادية، لاسيما أن التموضعات الكلاسيكية التي سادت ما بعد الحرب العالمية الثانية لم تعد الخيار الأمثل في العلاقات الدولية، كما لم تعد ذات جدوى، ولم يعد الانحياز إلى طرف دون الآخر يخدم المرحلة الدولية على نحوٍ خاص في الدول الخارجة من صراع طويل وما يُخلفه من دمار هائل كما في الحالة السورية، لذلك التوازن والموازنة في العلاقات الدولية -بين الشرق والغرب- بات مُلحاً وضرورياً راهناً وهو ما تعمد إليه الدولة السورية.
ورغم عدم وضوح الرؤية حول طبيعة العلاقات السورية – الصينية على المستوى الرسمي السياسي بشكلٍ كامل، إذ ما يزال الغموض سيّد الموقف، إلّا أن للاقتصاد لغته الواضحة التي تُفرض بقوة في ظل الغموض السياسي أو حالة عدم اليقين ذات الصلة، تلك اللغة -أي لغة الاقتصاد- قطعت أشواطاً لا بأس بها وتحضرت للدخول في طور التنفيذ إذ تسلك المشاريع وحديث الاستثمار وجذبه منحى آخر يتكفله المستوى الاقتصادي في الحكومة السورية، كما تتكفله الندوات المتخصصة بالشأن الاقتصادي السوري وفرص الاستثمارات الأجنبية المتاحة للعام الحالي.
ومنذ سقوط نظام الأسد، كان واضحاً تمسك بكين بوجودها الاقتصادي في سوريا، ترجمته زيارات متكررة لوفود صينية إلى دمشق، أبرزها كانت في شهر أيار من العام الماضي، حيث التقى الرئيس أحمد الشرع، وفداً من رجال أعمال صينين، للتباحث حول مشاريع متعلقة في إعادة إعمار البنية التحتية الاقتصادية والنقل.
الاقتصاد أولاً
كان لافتاً في السياق الندوة الاقتصادية المتخصصة التي عُقدت في مدينة “أيو” الصينية بعنوان: “سوريا 2026 والاستثمار الأجنبي: فرص فعلية في ظل التحفيز الاقتصادي” واستضافها منتدى رجال الأعمال العرب في الصين بمشاركة مجلس الأعمال السوري الصيني، وشارك فيها مدير إدارة الشؤون الأفروآسيوية والأوقيانوسية في وزارة الخارجية والمغتربين زكريا لباببدي الذي أكد دعم الدولة السورية للاستثمار الأجنبي، مشيراً إلى الأهمية الاستراتيجية لسوريا في الربط بين الشرق والغرب.
واستعرض رئيس مجلس الأعمال السوري الصيني فادي المحيميد ملامح التحول الاقتصادي في سوريا بعد رفع العقوبات، وأبرز الإصلاحات المنفذة خلال عام 2025، لا سيما في المجالات المالية والطاقة وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، كما تمّ توقيع اتفاقية تعاون استراتيجية، تهدف إلى تنسيق الجهود وجذب الاستثمارات العربية والصينية إلى المشاريع ذات الأولوية في سوريا، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات والتكنولوجيا.
والعام الماضي أصدر وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، قراراً بتشكيل مجلس الأعمال السوري الصيني برئاسة فادي علي المحيميد، ومكرم سمير شطاحي نائباً له، وذلك تماشياً مع التوجه الاستراتيجي لتعميق وتوسيع الشراكة الاقتصادية بين سوريا والصين، في إطار عمل مؤسسي منظم وفعّال، وتحفيز وتنمية التبادل التجاري، وجذب الاستثمارات الصينية المباشرة في القطاعات السورية ذات الأولوية، تزامن ذلك في حينها مع زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني لبكين التقى خلالها نظيره الصيني وانغ بي، وبحث معه سبل تعزيز الشراكة بين البلدين، لا سيما على مستوى الاقتصاد.
إلى جانب ما سبق ذكره، أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية في وقت سابق توقيع مذكرة تفاهم مع شركة Fidi Contracting الصينية لاستثمار مناطق حرة بمساحة تتجاوز مليون متر مربع، لمدة عشرين عاماً، وتقتضي المذكرة بمنح الشركة حق استثمار كامل المنطقة الحرة في حسياء في محافظة حمص، بمساحة تُقدّر بنحو 850 ألف متر مربع، بهدف إنشاء منطقة صناعية متكاملة تحتوي على مصانع متخصصة ومنشآت إنتاجية، كما شملت المذكر منح الشركة الصينية حق استثمار 300 ألف متر مربع من المنطقة الحرة في عدرا في ريف دمشق، بهدف ترسيخ مشاريع تجارية وخدمية تواكب متطلبات السوق المحلية والإقليمية.
والعام الماضي أعلن مدير الشؤون الصينية في وزارة الخارجية السورية، أشهد صليبي، أنه من المرجّح إعادة افتتاح السفارة الصينية في دمشق مطلع العام المقبل “الحالي”، وأوضح أنّ هذه الخطوة ستكون بداية لإعادة ترتيب العلاقات بين البلدين.
بناء على تلك الخلفية يبرز الاقتصاد أولاً في العلاقات السورية الصينية، وليس عبثاً أن تُعقد ندوة اقتصادية مُتخصصة حول الاقتصاد السوري والفرص الاستثمارية الواعدة في مدينة صينية، صحيح أن الأمر ليس على المستوى السياسي – الرسمي في العلاقات، لكن الأمر يدخل بالضرورة في سياق علاقات في طور التشكل يقودها الاقتصاد، عبر المستوى الاقتصادي – الرسمي في الحكومة السورية، وعبر رجال أعمال وشراكات واتفاقيات تؤسس في الاقتصاد ليتبعها التأسيس في السياسة ولو في مرحلة لاحقة – متأخرة، كما يبرز في السياق دور رجال الأعمال العرب في جذب الاستثمارات إلى المشاريع ذات الأولوية في سوريا بما يُشير إلى التفاف اقتصادي مُتكامل حول سوريا ودعمها في طريق التعافي والبناء إذ إن أمر الدعم لا يقتصر على الجانب السياسي فقط والالتفاف الدولي حول الدولة السورية الجديدة.
الالتفاف السياسي والاقتصادي حول سوريا تفرضه الضرورة لجميع الأطراف ليس فقط، لناحية دعم سوريا كدولة خارجة من حرب، بل لموقعها وأهميته الاستراتيجية في الربط بين الشرق والغرب والذي يخدم جميع الأطراف في علاقاتها وتشابكاتها الاقتصادية والسياسية وبالتالي فالدعم لسوريا هو دعم للأطراف المعنية جميعها.
أمام ذلك تُطرح تساؤلات حول فرص الاستثمار الأجنبي الفعلية في سوريا في العام الحالي، وكيف يوفر الموقع الاستراتيجي للبلاد في الربط بين الشرق والغرب فرص استثمارية مرتفعة وبالتالي كيف يؤثر ذلك على تدفق الاستثمارات إلى الاقتصاد السوري وكيف يُساهم رجال الأعمال العرب في جذب الاستثمارات إلى المشاريع ذات الأولوية في سوريا؟
قانون الاستثمار الجديد
خلال 2025 أصدر الرئيس الشرع، في 8 تموز الماضي، المرسوم التشريعي رقم 114 لعام 2025 عدّل بموجبه قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 لتلبية متطلبات المرحلة الاقتصادية الراهنة، وتعزيز دور المستثمرين السوريين في الخارج بالمشاركة في إعادة الإعمار.
وحينها، قال رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي: إن إصدار سوريا قانوناً جديداً للاستثمار هو لحماية حقوق المستثمرين الأجانب، ومنحهم ضمانات وحوافز تصل إلى إلغاء الضرائب بشكل كلي في بعض القطاعات، مُشيراً إلى أن المستثمر الأجنبي يحق له تملك استثماره في سوريا بنسبة 100 بالمئة، دون الحاجة إلى شريك محلي، وذلك بموجب القانون، الذي يُوفر بيئة استثمارية آمنة ويعزز ثقة المستثمرين.
ويمنع القانون وضع اليد على أي مشروع استثماري من قبل الحكومة، سواء كان مملوكاً لمستثمر سوري أو أجنبي، كما يتيح للمستثمر غير السوري استقدام ما لا يقل عن 40 بالمئة من العمالة غير السورية، في ظل توقعات بعودة أعداد كبيرة من السوريين خلال الفترة المقبلة.
وفيما يتعلق بالحوافز، أشار رئيس هيئة الاستثمار عن إعفاءات ضريبية كاملة لقطاعي الزراعة والصحة، إضافة إلى حوافز لقطاع الصناعة، إذ يتم خصم نحو 80بالمئة من الضرائب في حال تصدير 50 بالمئة من الإنتاج الصناعي إلى الخارج.
ويُعد قانون الاستثمار الجديد من بين أفضل عشرة قوانين استثمارية على مستوى العالم، بعد الاستفادة من أفضل الممارسات الدولية بالتعاون مع جهات استثمارية في السعودية وقطر والأردن والإمارات، حسب الهلالي.
فرص الاستثمار الفعلية
وحول فرص الاستثمار الأجنبي الفعلية في سوريا عام 2026، يرى الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر، الدكتور صالح أشرم، أنه في عام 2026، لم يعد الاستثمار في سوريا يقتصر على إعادة الإعمار التقليدية، بل انتقل إلى قطاعات القيمة المضافة، يستعرضها الدكتور أشرم في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” على النحو التالي:
- قطاع الطاقة التقليدية والمتجددة: حيث إن البنية التحتية للطاقة تضررت بشكل كبير خلال العقد الماضي، وهناك حاجة لإضافة أكثر من 3000 ميغاواط طاقة جديدة وتحسين شبكة التوزيع، ما يخلق فرصة للمستثمرين في الطاقات التقليدية والمتجددة، وتتصدر فرص الاستثمار، خاصة في مشاريع الطاقة الشمسية والريحية الكبرى، مدعومة بالمرسوم رقم 114 لعام 2025 الذي عدل قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 ويمنح القانون الجديد إعفاءات ضريبية تصل لـ 100 بالمئة لمدد زمنية طويلة، إضافة أنه يُوفر حوافز غير مسبوقة للمستثمرين، بما في ذلك امتلاك 100 بالمئة من المشاريع الاستثمارية وضمان حماية الاستثمارات، وهو تغيير نوعي في البيئة التشريعية.
- إعادة الإعمار والبنية التحتية: تظهر التقديرات أن احتياجات إعادة إعمار البنية التحتية تصل إلى نحو 82 مليار دولار في قطاعات مثل الطاقة والنقل والكهرباء، مع فرص واضحة للمستثمرين الأجانب خصوصاً من آسيا وأوروبا في تحديث هذه القطاعات الحيوية. مع العلم بوجود مدن صناعية قائمة للاستثمار المباشر (مثل عدرا وحسياء والشيخ نجار).
كما يوجد أيضاً قطاعات واعدة مثل الصناعات التحويلية والغذائية حيث هناك فجوة كبيرة في السوق المحلية والإقليمية تسعى الاستثمارات الأجنبية لسدها، خاصة في ظل توفر المواد الأولية الزراعية. إضافة إلى قطاع التعدين من خلال استكشاف واستخراج الثروات المعدنية (الفوسفات والسيليكا) التي تدخل في الصناعات التكنولوجية.
أهمية سوريا بالربط بين الشرق والغرب
يتحدث الخبير في الاستراتيجيات المالية والمخاطر عن الأهمية الاستراتيجية لسوريا في الربط بين الشرق والغرب، ويوضح أن سوريا تمتلك ميزة “الجيوبوليتيك الاقتصادي”، وهي ميزة لا يمكن تجاوزها في سلاسل التوريد العالمية، فسوريا تُعد البوابة المتوسطية للشرق وهي أقصر طريق بري يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، كما تُمثل سوريا في مبادرة “الحزام والطريق” عقدة ربط حيوية في الفرع الجنوبي للمبادرة الصينية، حيث توفر موانئها (اللاذقية وطرطوس) منصة لوجستية لإعادة التوزيع (Hub) في منطقة شرق المتوسط، مع القدرة المستقبلية على أن تكون ممراً لأنابيب الغاز والنفط الدولية وخطوط الربط الكهربائي الإقليمي، ضمن ممرات الطاقة.
وحول دور التعاون العربي-الصيني في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا في سياق دعم سوريا، بيّن الدكتور أشرم أن التفاهمات الحالية (مثل مخرجات ندوة إيو) تسهم في خلق نموذج “التكامل الثلاثي”، التمويل العربي والتكنولوجيا الصينية والبيئة الاستثمارية السورية إذ أن هذا المثلث يهدف لتوطين صناعات تكنولوجية (مثل تجميع السيارات الكهربائية، معدات الاتصالات، وتقنيات الري الحديثة) في سوريا، إضافة إلى نقطة مهمة جداً وهي أن الصين تمتلك شبكات توريد عالمية ضخمة، والاتفاقيات مع جهات عربية توفر أسواقاً تكميلية للصناعات السورية المستقبلية.
توقعات الاستثمارات العربية – الصينية
يتوقع أشرم أن يشهد عام 2026 منحى تصاعدياً (Upward Trend) في تدفق رؤوس الأموال للأسباب التالية: الاستقرار التشريعي في ظل وصول قانون الاستثمار رقم 18 إلى مرحلة التطبيق الكامل والنتائج الملموسة، نضوج المشاريع مع تحوّل الكثير من المذكرات التفاهمية الموقعة في 2024 و2025 إلى مشاريع قيد التنفيذ (On-ground projects). إلى جانب تنويع المحفظة الاستثمارية مع توقع تدفقات صينية مركزة في البنية التحتية الرقمية والطاقة، مقابل تدفقات عربية في “العقارات، السياحة، والقطاع المصرفي”، ما يخلق توازناً في هيكلية الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI).
وتحتاج سوريا إلى نحو 15-20 مليار دولار سنوياً من التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة على مدى العقد القادم لإعادة الإعمار وتحسين النمو.
وما لا شك فيه يلعب رجال الأعمال العرب، خاصة المتواجدين في الصين، دور “الوسيط الضامن” و”المستشار الاستراتيجي” في جذب الاستثمارات للمشاريع ذات الأولوية، وفقاً للدكتور أشرم وذلك عن طريق بناء الثقة من خلال نقل صورة واقعية عن التحسن في بيئة الأعمال السورية للمستثمرين الدوليين، حيث أن رجال الأعمال العرب يمتلكون شبكات علاقات قوية مع رؤوس الأموال في الخليج وشمال أفريقيا، ما يمكنهم من تعزيز ثقة المستثمرين في السوق السورية.
التمويل المشترك (Consortiums): تشكيل تحالفات مالية عربية-صينية للدخول في مشاريع سيادية ضخمة (مطارات، موانئ، سكك حديدية) تتطلب رؤوس أموال ضخمة، مع نقل الخبرات الإدارية وتطبيق معايير الحوكمة العالمية في المشاريع السورية، ما يُسهل جذب الصناديق الاستثمارية الكبرى التي تبحث عن الشفافية والأمان.
هبا أحمد
المصدر: الثورة السورية



































