تطفو جزيرة غرينلاند اليوم، وهي من أكبر الجزر في العالم، إلى واجهة الصراع الجيوسياسي كرقعة استراتيجية ثمينة تُقدَّر قيمتها بتريليونات الدولارات.
تتمتع غرينلاند بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية منذ العام 1979. وقد حصل سكانها الأصليون (شعب الإنويت) على حق تقرير المصير في العام 2009، وهذا ما يضمن لهم الحق في الاستقلال الكامل عبر الاستفتاء العام إذا شاؤوا ذلك.
ولا تقتصر قيمة الجزيرة على ثرواتها الطبيعية الهائلة من المعادن النادرة والنفط والغاز، بل تتمثّل أيضًا في موقعها الفريد الذي سيشكّل ممرّات ملاحية حيوية مع تسارع ذوبان الصفائح الجليدية في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وفقًا لوكالة الفضاء الأميركية NASA والمركز الألماني لأبحاث الفضاء DLR (مصدر البيانات: أقمار GRACE وGRACE Follow-On التابعة للوكالتين)، تفقد غرينلاند حوالي 266 مليار طن سنويًا من الجليد منذ العام 2002. ويؤدي هذا الذوبان إلى ارتفاع كارثي في مستوى سطح البحر واضطرابات مناخية عالمية.
إلى جانب هذه التداعيات البيئية، يرتفع منسوب التوتر الجيوسياسي. فمع تزايد اهتمام الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب بضمّ الجزيرة، والتنافس الحتمي الذي يجذب قوى مثل روسيا والصين، تتجه غرينلاند نحو التحول إلى بؤرة للصراع. وفي مواجهة هذا الاهتمام الدولي المتزايد، تحاول الدنمارك بدعم من الاتحاد الأوروبي الحفاظ على سيطرتها على الجزيرة، بما في ذلك نشر قوات عسكرية أوروبية لحمايتها من التهديدات.
كنوز مدفونة تحت الجليد
يعتمد اقتصاد غرينلاند، الذي يُقدّر ناتجه المحلي الإجمالي بنحو 3.3 مليار دولار أميركي بشكل كبير على قطاع صيد الأسماك الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد وأكبر مصدر للصادرات، إلى جانب دعم مالي من الدنمارك (Blocktilskud أو منحة الحكم الذاتي) يتجاوز 600 مليون دولار سنويًا (المصدر: دراسة Hard or Soft Power: Greenland’s International Stance لتامارا إسبينيرا غيراو، تموز/يوليو 2025). لكن إمكانات نمو الصناعات الاستخراجية تزداد مع تسارع وتيرة انحسار الصفائح الجليدية، حيث تتكشف احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن الأرضية النادرة كانت مختفية تحت الجليد لآلاف السنين. لا تحدّد المسوحات الجيولوجية وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الوطنية في الدنمارك وغرينلاند (GEUS) حجم هذه الثروات الموجودة تحت الغطاء الجليدي بشكلٍ دقيق بعد، إذ لا يزال الجليد يغطّي نحو 80% من مساحة الجزيرة. إلا أن مركز المعادن والمواد (MiMa) التابع للهيئة يقدّر في تقرير أصدره في أيار 2023 وجود موارد كبيرة جدًا (انظر الجداول أدناه)، وبعضها من العناصر النادرة التي تُستخدم في الصناعات التكنولوجية والاستراتيجية، وتحديدًا: الليثيوم والفلوريت والتنتالوم والنيوبيوم والهافنيوم والزركونيوم والموليبدينوم ومعادن مجموعة البلاتين والذهب والتيتانيوم والفاناديوم والسترونتيوم والتنجستن والقصدير والأنتيمون والنحاس والنيكل والكوبالت والفلسبار والفوسفور والغرافيت والزنك والرصاص والغاليوم والجرمانيوم.



أما هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS)، فتقدّر في تقييم موارد النفط غير المكتشفة في منطقة أحواض الصدع في شرق غرينلاند وحده، متوسط موارد البترول غير المكتشفة في المنطقة بحوالي 31.4 مليار برميل من المكافئ النفطي (BOE) من النفط والغاز وسوائل الغاز الطبيعي. وتقدّر الهيئة أن حوض ملح دانماركشافن الشمالي وحوض دانماركشافن الجنوبي يحتويان على معظم موارد البترول غير المكتشفة (انظر الجدول أدناه).

تغيّر خريطة التجارة العالمية
أهمية غرينلاند لا تقتصر على الثروات الطبيعية التي تختزنها تحت الجليد. وما يحوّلها إلى بؤرة استراتيجية في الصراع الجيوسياسي هو موقعها الجغرافي، الذي يُتيح فتح طرق بحرية جديدة، ما من شأنه أن يقلل مسافات الشحن بين قارات آسيا وأوروبا وأميركا. فهذه الجزيرة تتموضع في مركز شبكة المواصلات البحرية للقطب الشمالي، وتضم مضيق فرام شرقًا الواقع بين غرينلاند وسفالبارد، إضافة إلى نظامٍ معقدٍ من المضائق والقنوات شمال غرب الجزيرة، من قناة روبيسون وقناة كينيدي ومضيق ناريس ومضيق سميث الذي يمتد على الجانب الكندي، ومضيق ديفيس غربًا الواقع في خليج بافن والفاصل بين جزيرة غرينلاند وجزيرة بافن أكبر الجزر الكندية. يضاف إلى ذلك عددٌ من المضائق الأقل أهمية استراتيجيًا، مثل مضيق سكورسبيسوند، رغم كونه أكبر نظام مضيق بحري في العالم. تبدو غرينلاند غنية بالممرات البحرية الكبيرة والصغيرة.
ومع التكاليف البيئية الهائلة والبعيدة المدى التي يفرضها ذوبان الجليد على مستوى العالم، إلا أن هذا التحول يجعل الملاحة في سواحل غرينلاند ممكنة لفترات أطول وفي جميع الفصول، حيث تنتفي الحاجة إلى كاسحات الجليد والسفن المخصصة للظروف القطبية والمجهزة بالعديد من المعدات الحديثة، وإلى التخطيط والخدمات اللوجستية والإرشادية، بالإضافة إلى أن الاعتماد على السفن العادية يقلّل من استهلاك الوقود وتكاليف الصيانة، ما يؤدي إلى خفض التكاليف بشكل كبير. وقد بدأت حركة الملاحة البحرية في التزايد بالفعل منذ سنوات، ما دفع وكالة البيانات الجغرافية الدنماركية إلى إطلاق مشروع لرسم الخرائط الملاحية والخطوط الساحلية بدقة وتحديد المناطق العالية الخطورة في عام 2023 لتحسين السلامة الملاحية.
لكن دراسة بعنوان “الملاحة الآمنة للسفن السياحية في مياه غرينلاند – الإطار القانوني والتحديات العملية” أصدرتها جامعة جنوب الدنمارك عام 2020، أشارت إلى البنية التحتية في غرينلاند لا تزال محدودة للغاية، وإلى أن هناك مستشفى واحداً فقط في العاصمة نوك، وهو غير قادر على استيعاب عددٍ كبير من المرضى، فيما يقع أقرب المستشفيات في المنطقة في أيسلندا. كما أشارت إلى وجود مطار واحدٍ كبير في كانغيرلوسواك غرب غرينلاند. وبالتالي، فإن محدودية البنية التحتية تعني أن التحول الجغرافي الاستراتيجي لا يعني تحولًا فوريًا في الواقع العملي. فتحويل غرينلاند إلى مركز عالمي للملاحة البحرية سيتطلب سنوات، إن لم يكن عقودًا، من الاستثمار الضخم والمستدام لبناء البنية التحتية الأساسية، فضلًا عن إنشاء مراكز الخدمات اللوجستية المتكاملة، وشبكات الطوارئ والإنقاذ المتطورة، وتدريب الكوادر البشرية المتخصصة.
التوترات الجيوسياسية تشتعل
يُسهم انحسار الجليد في غرينلاند في تقليل وقت وتكاليف الشحن بين الأسواق العالمية الرئيسية وتعزيز نمو الصناعات الاستخراجية، ما يفسّر تكثيف التنافس الدولي على هذه الجزيرة. ورغم دعوات ترامب الجديدة لضمّ الجزيرة، فإن الولايات المتحدة تسجّل وجودًا عسكريًا كبيرًا من خلال قاعدة ثول الجوية، التي تضم محطة رادار تابعة لقوات الفضاء الأميركية، ونظام دفاعٍ صاروخياً، إلى جانب مطار بيتوفيك العسكري. وقد أسست الولايات المتحدة هذه القاعدة في الحرب العالمية الثانية بموافقة دنماركية، ولعبت دورًا مهمًا في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفياتي.
ويزداد الاهتمام الصيني والروسي بغرينلاند؛ فالصين تنظر إليها كحدود جديدة لمبادرة الحزام والطريق التي أطلقت عام 2013 والمستوحاة من طريق الحرير القديم، بينما دخلت روسيا على خط التنافس المباشر مع الولايات المتحدة بعد تصريح نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري ميدفيديف بأن سكان غرينلاند قد يصوتون بشكل مفاجئ للانضمام إلى روسيا. غير أن القاسم المشترك بين الولايات المتحدة وروسيا هو محاولة إخضاع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يطرح علامات استفهام حول إمكانية تقاسم غرينلاند بالتراضي بينهما، وما يضع الاتحاد الأوروبي الذي يبحث إمكانية تكثيف الوجود العسكري في غرينلاند في موقف أكثر حراجة، يُضاف إلى ذلك انفراط ميثاق حلف الناتو عمليًا.
هكذا، تجد غرينلاند ذاتية الحكم، التي يعتمد اقتصادها الهش على الصيد والدعم الدنماركي، نفسها في قلب العاصفة. ويجد سكانها الذين يبلغ عددهم نحو 57 ألفًا فقط أنفسهم في خطر التحول إلى مجرّد قطعٍ على رقعة الشطرنج الدولية، وما يعنيه ذلك من استلاب إرادتهم وتهديد نمط عيشهم ومستقبلهم. وهكذا يصبح مصير هذه الأرض الجليدية الشاسعة رهنًا بتوازنات القوى المتصارعة، فيما يتلاشى جليدها ليُظهر ثروةً تهدد بتحويلها من ملاذٍ هادئ إلى ساحة معركة ترسم ملامح حقبة جديدة من التنافس الجيوسياسي.
هاني عضاضة
المصدر: المدن



































