وسط التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، أصبح البحث عن نماذج تنموية مستدامة ضرورة ملحّة، خاصة للدول التي تمتلك موارد طبيعية غير مستثمرة بالشكل الأمثل.
ويبرز الاقتصاد الأزرق كأحد أهم هذه النماذج، كونه يقوم على الاستفادة الواعية والمستدامة من الموارد البحرية والمائية، بما يحقق نمواً اقتصادياً متوازناً ويحافظ في الوقت ذاته، على البيئة والثروات الطبيعية للأجيال القادمة.
والاقتصاد الأزرق يعني الاستخدام المستدام للموارد البحرية والمحيطات لتحقيق نمو اقتصادي، وتحسين سبل العيش، وخلق فرص عمل، مع الحفاظ على صحة النظم البيئية. يشمل قطاعات متنوعة كالشحن البحري، السياحة، الصيد، الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، ويسهم بنحو 1.5 تريليون دولار سنوياً عالمياً.
وفي هذا السياق، تمتلك سوريا، لا سيما ساحلها المطل على البحر المتوسط، مقومات حقيقية تؤهلها للدخول بقوة في هذا المسار التنموي الواعد، إذا ما توفرت الرؤية والتخطيط والاستثمار المناسب.
ويؤكد مدير غرفة تجارة دمشق والخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي، أن لكل منطقة جغرافية خصائصها ومميزاتها التي تنبع من موقعها وتضاريسها ومناخها وإحداثياتها المكانية، ما يمنحها فرصاً اقتصادية مختلفة عن غيرها، وتأتي البحار والبحيرات وكل ما هو “أزرق” لتضع المناطق الساحلية ضمن تصنيف اقتصادي خاص بات يُعرف عالمياً باسم الاقتصاد الأزرق.
ويقول خربوطلي لصحيفة “الثورة السورية”: إن الاقتصاد الأزرق يُعرّف بأنه الاستخدام المستدام للموارد البحرية والنهرية والمائية بهدف تحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين سبل العيش، وخلق فرص العمل، مع الحفاظ على البيئة المائية كأحد أهم الموارد الطبيعية المتجددة.
منطقة زرقاء واعدة
يرى خربوطلي سوريا منطقة زرقاء مميزة وواعدة تتمثل في الساحل السوري، إلا أن هذه المنطقة، ورغم إمكاناتها الكبيرة، لم تتحول حتى اليوم إلى اقتصاد أزرق متكامل وفق المفهوم العالمي المعتمد في العديد من دول البحر المتوسط والعالم.
ويضيف أن التحول الحقيقي نحو الاقتصاد الأزرق في سوريا يتطلب رؤية شاملة وسياسات متكاملة تشمل عدداً من المجالات الرئيسية، أبرزها تطوير الصيد البحري والنهري والبحيري المستدام، وإنشاء المزارع السمكية المتخصصة، ومكافحة الصيد غير القانوني، وتنمية تربية الأحياء والنباتات المائية بكفاءة اقتصادية وبيئية.
ويشير إلى أن استثمار الطاقة المتجددة البحرية، من الرياح والأمواج والمد والجزر، إلى توليد الطاقة الكهربائية ودعم التحول نحو مصادر نظيفة ومستدامة، يوازيه تعزيز السياحة البحرية والترفيهية والبيئية والثقافية، والاستفادة من التداخل الجغرافي الفريد بين البحر والجبل في الساحل السوري.
ويتطرق خربوطلي إلى أهمية تطوير النقل البحري والموانئ والخدمات اللوجستية، وبناء السفن وتعزيز الشحن البحري، بما يرسخ دور سوريا كمحطة محورية على شرق المتوسط، إضافة إلى إنشاء منطقة اقتصادية حرة ساحلية تكون الأقرب تنافسياً للمدن الساحلية العالمية المطلة على البحر المتوسط، وكذلك الاستفادة من البيوتكنولوجيا البحرية عبر تطوير منتجات دوائية وتجميلية ومنشطات بيولوجية مستخلصة من الموارد والكائنات البحرية.
رؤية تنموية متكاملة
يشدد خربوطلي على أن الاقتصاد الأزرق رؤية تنموية شاملة تهدف إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البحر ومقوماته، بوصفه ثروة وطنية مستدامة ومتجددة، قادرة على خلق قيم مضافة، وتنشيط الأعمال، وتوليد فرص العمل، وتحسين مستوى الدخل الفردي، وتشجيع إقامة المشاريع والاستثمارات.
ويتابع: لطالما شكّل الساحل السوري الحائط الشرقي للبحر المتوسط، وبفضل خصائصه المناخية والبيئية يمكنه أن يتحول – مع المدن الساحلية الرئيسة – إلى منبع ثروة اقتصادية مستدامة لا تقتصر على سياحة أشهر الصيف، بل تمتد لتشمل استثمارات زراعية وصناعية وحرفية، إلى جانب مختلف الأنشطة البحرية المتناغمة مع بيئة وموارد المنطقة الساحلية السورية، منوهاً بأن الاقتصاد الأزرق فرصة تنموية حقيقية لا تقل أهمية عن البر.
رولا عيسى
المصدر: الثورة السورية



































