الأربعاء - 4 فبراير - 2026 - 07:39 صباحًا

دافوس.. انطباعات حول التحوّل من روح الحوار إلى المواجهة

العالم الاقتصادي- رصد

يفرض الجبل السحري، أو منتجع دافوس في سويسرا، نظاماً اشتراكياً غير مقصود قائم على الندرة، حيث يضطر كبار رجال الأعمال العالميين، والقادة السياسيون، أحياناً، إلى تقبّل إضاعة الوقت في زحام المرور، والتدافع للحصول على مقعد في قاعة المؤتمرات.
الشعار الرسمي لاجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام هو «روح الحوار»، لكن لم يكن لهذا الشعار فرصة تذكر عند وصف واقع النقاشات في دافوس، خاصة بعد «الاختطاف السريع» الذي قام به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فنزويلا.

ومطالباته المتكررة بالسيطرة على غرينلاند، لذلك، بدلاً من الحوار، تعد «المواجهة» وصفاً أدق للأجواء والنقاشات التي لمستها، فاجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي استمرت نحو الأسبوع.

وحتى عصر الأربعاء، كانت جميع الأنشطة – حلقات النقاش، والمقابلات، وحفلات العشاء، والمناظرات، تحمل طابعاً غير واقعي، وكأن الجميع ينتظر شيئاً آخر، وهو ما كان بالفعل: خطاب دونالد ترامب. ويمكن هنا التركيز على أبرز المواجهات في دافوس:

– المواجهة الأولى: أوروبا ضد أوروبا (كالعادة): أثارت مطالبة الرئيس الأمريكي المتجددة بضم غرينلاند صدمة عميقة في أوروبا (وغيرها) لدرجة أنها بدت وكأنها تشهد تحولاً جذرياً في مواقف القارة الأسبوع الماضي بالطبع، مارس ترامب ضغوطاً على أوروبا لإخضاعها في عدة قضايا خلال العام الماضي:

اتفاقية تجارية غير متكافئة، ووعد (غير جاد تماماً) برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 % من الناتج المحلي الإجمالي، وسلوك التملق العام. لكن هذه المرة تبدو مختلفة. وإن كانت غير مختلفة كثيراً – حتى الآن.

ويفضل القادة الأوروبيون العمل المتحد على العمل السريع، وهذا ما يصعب اتخاذ القرارات الحاسمة. وقد أثارت سخرية وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بشأن «مجموعة العمل الأوروبية المخيفة» غضباً شديداً، بحسب أحد وزراء الاتحاد الأوروبي.

كما يوجد إدراك واضح بأنه في حال تصاعدت الحرب التجارية نتيجةً لمقاومة مطالب ترامب، ستتأثر الدول الأوروبية بشكلٍ متفاوتٍ للغاية تبعاً لمدى اعتمادها على الصادرات الأمريكية. وكل هذا يفاقم حالة الجمود.

لكن حتى لو استغرق الأمر وقتاً لتغيير مسار ناقلات النفط العملاقة، فهذا لا يعني أنها لا تستطيع تغيير مسارها. لذلك، تتزايد المحادثات الخاصة حول كيفية الرد على الولايات المتحدة وكيفية إدارة التداعيات الاقتصادية، بما في ذلك، كما قيل لي، مسألة تعويض المتضررين بشدة. وقد أصبح بعض القادة أكثر صراحة.
وقال بارت دي ويفر، رئيس الوزراء البلجيكي، إن «فكرة استرضاء ترامب قد وصلت إلى نهايتها»، محذراً من فقدان أوروبا «كرامتها» وتحولها من «تابع سعيد» إلى «عبد بائس».

كما ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطاباً قوياً، معيداً طرح خيار استخدام «أداة مكافحة الإكراه» القوية ضد الولايات المتحدة، ولم يسفر خفض ترامب للتصعيد ليلة الأربعاء عن أي ارتياح، حسب انطباعاتي.

– المواجهة الثانية: ترامب ضد العالم: لعل أبرز لحظة مناهضة لترامب خلال الأسبوع لم تكن من جانب الأوروبيين، بل من خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الجريء حول انهيار النظام الدولي القديم.

وبأسلوبٍ بليغٍ ومؤثر، أشار كارني إلى نص يُفترض أن يكون أساسياً في فهم أوروبا لذاتها: مقال المنشق التشيكي فاتسلاف هافيل حول قوة الضعفاء، مشدداً على أنه حتى الضعفاء يمكنهم رفض العيش في ظل الكذبة.

اقرأوا الخطاب كاملاً وادرسوا المقال إن لم تكونوا قد قرأتموه من قبل، ولكن إليكم خلاصة كلام كارني: «أيها الأصدقاء، لقد حان الوقت للشركات والدول أن تزيل لافتاتها».

بمعنى آخر، لا تتصرفوا ولا تتحدثوا وكأن صداقة الولايات المتحدة والنظام الدولي الذي كان مستنداً إليها ما زالا قائمين. لا تتظاهروا بأن الأمور على ما يرام. لا تنساقوا وراء الواقع الوهمي الذي يحاول ترامب فرضه بديلاً للواقع الحقيقي.

لكن من الواضح أن بعض القادة الأوروبيين لم يسمعوا الرسالة أو يفهموها، ويواصلون المشاركة في طقوس يعلمون زيفها.
ففي جلسة نقاش حول قدرة أوروبا على الدفاع عن نفسها صباح اليوم التالي لخطاب كارني، وصف الرئيس البولندي كارول ناووركي ترامب بأنه «زعيم العالم الحر».

وكأن هذه الأوصاف تحمل المعنى الذي كانت تحمله في زمن هافيل. ولم يعترض على ذلك الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، اللذان كانا أيضاً ضمن الحضور خلال الجلسة.

لكن ترامب فهم الرسالة. فقد توجه بالتوبيخ إلى كارني وقلل من شأن ماكرون بالاسم من على منصة دافوس، لكنه تراجع قليلاً، قائلاً إنه لن يستخدم القوة للاستيلاء على غرينلاند، وكشف لاحقاً عن التوصل إلى «تفاهم». وقال إنه لن يفرض الآن الرسوم الجمركية الإضافية التي هدد بها على الدول التي أرسلت بضعة جنود إلى نوك، عاصمة غرينلاند، الأسبوع الماضي.
من جانبي، أشعر بالقلق تجاه قول ترامب «آيسلندا» بدلاً من «غرينلاند» 4 مرات. ويعتقد معظم الناس أنه أخطأ في الكلام، لكن لو أراد ترامب تغيير قواعد اللعبة ووضع الأسس لمطالبة إقليمية أخرى مع الحفاظ على إمكانية الإنكار المعقول، لكانت هذه هي الطريقة الأمثل.

كما أنه من المهم هنا الإشارة إلى أن السفير الأمريكي الجديد لدى آيسلندا مازح مؤخراً بشأن انضمامها إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية الثانية والخمسين.

– المواجهة الثالثة: الشركات الأمريكية ضد أوروبا: هناك نزعة انتصارية لدى الشركات في الولايات المتحدة تجلت بوضوح في دافوس، خاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي. وقد مارس هوارد لوتنيك، رجل الأعمال الذي تحول إلى وزير التجارة الأمريكي، دوره كمنفذ لسياسات ترامب.
وبحسب ما ورد، فقد تحدث بازدراء شديد عن الاقتصاد الأوروبي في حفل عشاء لكبار الشخصيات، لدرجة أن الحضور استهجنوا ما قاله وغادروا القاعة. لكن ثمة شيء غريب في هذا الموقف، يوحي بالسلوك الدفاعية، لأنه إذا كان أداء الاقتصاد الأمريكي قوياً إلى هذا الحد، فلماذا يهتم المدافعون عنه بشدة بضرورة تغيير أوروبا لنهجها؟ بالتأكيد ليس بدافع الإحسان، أليس كذلك؟
ولفت انتباهي أيضاً إصرار ساتيا ناديلا، رئيس شركة مايكروسوفت، على ضرورة انتشار الذكاء الاصطناعي على نطاق أوسع حتى لا يتحول إلى فقاعة، وأن على المستخدمين والشركات – أي أنا وأنت – بذل الجهد اللازم لتمكين تقنية الذكاء الاصطناعي من زيادة إنتاجيتنا.

ثم هناك هوس قطاع التكنولوجيا الأمريكي وحلفاء القطاع في الحكومة الأمريكية باللوائح الأوروبية. ربما هم في أمس الحاجة إلى الأسواق الأوروبية أكثر مما يظهرون؟

أما بالنسبة للشركات الأوروبية، فقد كانت محادثاتي معهم أكثر تفاؤلاً مما توقعت. كان الشعور بالنقص أقل وضوحاً لدى السياسيين الذين يتحدثون عن الاقتصاد الأوروبي. وبرز موضوع واحد مراراً وتكراراً: التوسع، التوسع، التوسع. لذلك يبدو أن هناك رغبة كبيرة لدى الشركات للاستثمار والتوسع إذا سهلت السلطات الأوروبية عليها تحقيق ذلك.
الخلاصة أن ثمة بصيص أمل في أوروبا، وهذا البصيص يمكن أن يلاحظ من بعيد. وقد أشاد أحد المديرين التنفيذيين الأمريكيين، بعد أن تأكد خلسةً من عدم وجود من يستمع، بأوروبا لي لما تتمتع به من «قيم أخلاقية فريدة». ولا شك أن المزيد من مثل هذه الصراحة والوضوح سيكون موضع ترحيب في أوساط كثيرة.
مارتن ساندبو
المصدر: فايننشال تايمز

اقرأ أيضاً

Next Post

آخر ما نشرنا

أرشيف الموقع

فبراير 2026
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728

صفحتنا على فيسبوك

Welcome Back!

Login to your account below

Retrieve your password

Please enter your username or email address to reset your password.