وسط حالة ترقب بين التجار والصناعيين والمواطنين والأسواق، تدخل العملة الوطنية الجديدة حيز التداول رسمياً اعتباراً من اليوم، في خطوة تأتي ضمن رؤية استراتيجية شاملة وطويلة الأمد للمصرف المركزي بهدف إعادة بناء النظام المالي والوصول إلى قطاع مصرفي فعال وآمن، وتعزيز فاعلية السياسة النقدية، بما يسهم في تحسين البيئة الاقتصادية، ورفع مستوى الثقة داخلياً وخارجياً.
ويرى رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور عبد العزيز المعقالي، أن هذه الخطوة تهدف إلى تحييد “السيولة المهربة خارج البلاد، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي والليرة السورية”.
ويقول المعقالي لصحيفة الثورة السورية: إن الخطوة تعكس الإدراك الرسمي لأعمق مشكلة اقتصادية، وهي هروب الثقة والرساميل من النظام المصرفي المحلي، وتحول جزء كبير من المعاملات إلى اقتصاد موازٍ أو إلى العملات الأجنبية.
من جهته، يعرب نائب رئيس مجلس غرفة تجارة دمشق السابق محمد الحلاق، عن أمله في أن يسهم هذا الإجراء في “توضيح ومعرفة الكتلة النقدية الموجودة في السوق من قبل المصرف المركزي، وجعله المتحكم بتحديد سعر الصرف”.
وهنا يبرز الهدف المركزي الأول، بحسب الحلاق: إعادة الهيمنة للمؤسسة النقدية على السياسة النقدية، بعد سنوات من فقدان السيطرة الفعلية على حجم النقد المتداول وسعره، وبحسب مصادر مصرفية، تبلغ الكتلة النقدية 14 مليار قطعة نقدية قيمتها 42 ليرة سورية.
قضية مجتمعية
يتفق المحللان على أن قضية العملة الوطنية تتجاوز الجانب الاقتصادي التقني، إذ يؤكد الحلاق أن “موضوع العملة الوطنية ليس فقط شأناً اقتصادياً، بل شأن اقتصادي واجتماعي وله آثار كبيرة على المجتمع”، فاستقرار سعر صرف الليرة يرتبط مباشرة بقوة الشراء للمواطن، واستقرار أسعار السلع الأساسية، وقيمة المدخرات، وبالتالي الهدوء الاجتماعي.
كما أن تعزيز الثقة بالعملة المحلية يعد بوابة لإعادة تفعيل دور المصارف في تعبئة المدخرات وتقديم القروض، وبالتالي إنعاش الاستثمار في القطاعات الإنتاجية كالعقار والصناعة.
المعركة الأصعب
أحد أبرز الأسئلة التي يطرحها القطاع الخاص والمواطنون: كيف سيؤثر طرح العملة الجديدة على سعر الصرف؟ وهل سينجح البنك المركزي في فرض سعر مستقر؟
يرى الحلاق أن “العرض والطلب هو الذي يتحكم ويحدد سعر الصرف بنسبة معقولة”، لكنه يعول على أن يصبح البنك المركزي هو “الذي يتحكم بشكل كامل ويحدد السعر”.
ويشيد الحلاق بأداء المركزي رغم “التركة الثقيلة والصعبة”، لكنه يحذر من خطورة التقلبات الحادة في سعر الصرف، قائلاً: “انخفاض سعر الصرف بشكل كبير وارتفاعه كذلك بشكل كبير مؤذٍ ومضر للاقتصاد”.
من جهته، يعتقد المعقالي أن ضبط سعر الصرف “غير ممكن في الظرف الراهن”، معرباً عن أمل الجميع بأن يكون السعر أقل من المستوى الحالي.
ويشير الحلاق إلى أن البنك المركزي يملك “كتلة كبيرة جداً من القطع الأجنبي”، جزء منها من الرسوم الجمركية، ويمكنه استخدام جزء منها للتدخل في السوق “كي يتحكم ويضبط سعر الصرف”، وهذا يشير إلى أن السلطات النقدية تأمل في استخدام احتياطياتها (مهما كانت محدودة مقارنة بحجم التحديات) كأداة لصد هجمات المضاربة وترسيخ سعر مستهدف.
رفع حبس السيولةتشكل مسألة رفع القيود على السحب المصرفي، أو ما يعرف بـ”حبس السيولة”، محوراً أساسياً في النقاش، ويرى المحللان أن نجاح عملية استبدال العملة مرهون بإلغاء هذه السياسة.
وبحسب مصادر مصرفية، دخل المصرف المركزي في مفاوضات مع البنوك لتحديد موعد رفع القيود كافة عن السحب في 2026.
ويوضح الحلاق لصحيفة الثورة السورية أن التقييد كان متبعاً “لأسباب وظروف محددة”، لكنه يعتقد أنه “بعد طرح العملة الجديدة من المفترض أن تلغى هذه السياسة، ويتم فتح سقف السحب للجميع”، خاصة أن البنك المركزي أصبح على دراية تامة بالحسابات الحقيقية والوهمية، في إشارة إلى التمايز بين الودائع الحقيقية وتلك الناتجة عن المضاربات أو التهريب.
ويعتبر الحلاق رفع سقف السحب بمثابة إشارة قوية للمواطن بأن النظام المصرفي قد استعاد عافيته، وأن أمواله في مأمن، ما يشجع على إعادة الودائع وإعادة الثقة، لكن الحلاق يحذر بأن “فتح سقف السحب حتماً سيؤثر في سعر الصرف”، ما لم تُتخذ “إجراءات أخرى مساعدة من المصرف المركزي”، مثل تحديد سعر صرف محدد والدفاع عنه بقوة، أي أن الأمر يشبه حلقة مترابطة: رفع القيود ضروري للثقة، لكنه قد يخلق ضغوطاً على سعر الصرف، ما يتطلب استعداداً قوياً للتدخل لدعم العملة.
الأهداف والرهانات
يضع المحللان أهدافاً مرحلية وأخرى بعيدة للخطوة، يتمثل الهدف القريب، حسب المعقالي، في “ضبط سوق الصرف واستقراره”، أما الهدف البعيد فيتمثل في “النهوض بالاقتصاد وانعكاس ذلك إيجاباً على المواطن”.
كما يشير الحلاق إلى أن إحياء الثقة سيمكن المصارف من أداء دورها في الادخار والإقراض، ما ينشط الاستثمار ويعيد الدور للاقتصاد الوطني.
أما التحديات والعوامل الحرجة للنجاح، فيبرز عدد من العوامل الحاسمة التي ستحدد مصير هذه الخطوة، وتشمل: الشفافية واستعادة الثقة المصرفية، والاستفادة من الكفاءات، الوضع الأمني والاقتصادي الكلي، بحسب الخبيرين.
ويؤكد الحلاق أن واقع السعر المستقبلي سيتحدد بـ”آليات استبدال العملة السورية ومدى الشفافية”، والتي تضاف إلى معايير توزيع العملة الجديدة، وآلية مكافحة التزوير، وكلها عناصر تزرع الثقة.
ويرى الحلاق أن دور البنك المركزي هو “فرض الثقة” و”إنعاش الثقة بالقطاع المصرفي”، وهذا يتطلب أكثر من خطوة نقدية؛ إنه يتطلب إصلاحات حقيقية في الحوكمة وشفافية المعاملات داخل القطاع المصرفي.
من جهته، يشدد المعقالي على “أهمية استفادة الحكومة من الخبرات والكفاءات الوطنية داخل المؤسسات وخارجها، ودور منظمات المجتمع المدني في تقديم المشورة”.
ويعتبر أن نجاح أي إجراء نقدي يبقى مرتبطاً بشكل جذري بالوضع الأمني والسياسي العام، ومدى القدرة على تحقيق استقرار اقتصادي كلي، وفتح آفاق للحل السياسي الذي يرفع العزلة والعقوبات.
ويصف المعقالي خطوة استبدال العملة بأنها “محاولة جريئة لقلب الصفحة على مرحلة سابقة من الفوضى النقدية وفقدان الثقة”، لكن الطريق ستكون محفوفة بالتحديات، أبرزها كيفية إدارة الانتقال بسلاسة، ورفع قيود السحب دون انهيار الليرة، وإقناع المواطن العادي والتاجر بالعودة إلى القنوات المصرفية الرسمية، والقرار النهائي سيكون للسوق والمواطنين الذين سيصوتون بأموالهم وثقتهم.
ويؤكد المعقالي أنه إذا نجحت العملية في تحقيق الحد الأدنى من الشفافية والاستقرار، تكون نواة لبداية إصلاح نقدي أوسع.



































