تشهد منطقة الخليج نقلة نوعية في التحول الرقمي الذي بات أولوية استراتيجية في الرؤى الوطنية لدول مجلس التعاون حيث تركز حكومات المنطقة على الاستثمار في التقنيات الحديثة لتحسين نوعية حياة المواطنين وخفض تكاليف المعيشة.
وتشير الدلائل الأولية إلى أن الجهود المبذولة تحقق نتائج ملموسة في تقليل النفقات على الخدمات والمعاملات اليومية، مع توفير الوقت والجهد على الأفراد والشركات على حد سواء.
ويحتل التيسير الإجرائي في المعاملات الحكومية موقعاً مركزياً في استراتيجية التحول الرقمي بالخليج؛ ولذا تسعى البحرين لتوفير 200 نوع خدمة حكومية بصيغة رقمية بحلول عام 2026، بينما تستهدف الكويت رقمنة 90% من خدماتها الحكومية بحلول 2027.
وفي قطر، أكدت الحكومة أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للجميع، وأن التحول الرقمي يعد أمراً أساسياً لتحقيق رؤيتها الوطنية 2030 في بناء دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
وأطلقت الإمارات مبادرات حكومية رقمية أسفرت عن وفورات هائلة بلغت 368 مليار درهم لصالح المستخدمين، وتقليص تكاليف حكومية بمقدار 20 مليار درهم، حسب تقرير نشرته منصة مجلس سامينا (SAMENA Council).
التحول الرقمي وثورة في مجال الخدمات
في مجال الخدمات المالية والمدفوعات، يشهد الخليج ثورة حقيقية في تبني أنظمة الدفع الرقمي والمحافظ الإلكترونية؛ وتُظهر البيانات أن حوالي 90% من المستهلكين في السعودية استخدموا طرق دفع ناشئة مثل المحافظ الرقمية وتطبيقات تحويل الأموال خلال عام 2024، حسب تقرير نشرته منصة “ثيونز” (Thunes) المتخصصة في خدمات الدفع والتحويلات المالية العالمية.
وحسب التقرير ذاته، فإن هذه الحلول تقلل من تكاليف المعاملات بشكل كبير من خلال تقليل عدد الوسطاء في النظام المالي، ما يعني رسوماً أقل وسرعة أعلى في تحويل الأموال؛ إذ يمكن للعمال المهاجرين، على سبيل المثال، تحويل أموالهم عبر تطبيقات التحويل الرقمي بتكاليف أقل بكثير من الطرق التقليدية وبسرعة فورية.
قطاعات أكثر سلاسة
يؤكد الخبير الاقتصادي علي سعيد العامري لـ”العربي الجديد”، أن انتشار التطبيقات الذكية والمنصات الإلكترونية جعل الوصول إلى الخدمات الحكومية والصحية والتجارية أكثر سلاسة، ما قلل الحاجة إلى الانتظار الطويل أو التنقل المتكرر، وانعكس إيجاباً على توفير الوقت والجهد والمال.
ويتجاوز أثر هذا التحول حدود الراحة اليومية؛ إذ يُتوقع أن يؤدي الاعتماد المتزايد على الإنترنت والأجهزة الذكية إلى تحسين جوهري في قطاعات حيوية مثل النقل والمواصلات، ما ينعكس على جودة الحياة بشكل ملموس، بحسب العامري، لافتاً إلى أن تقديرات شركة “إريكسون” أوردت أن هذه التحسينات ستساهم في رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية وتقليل التكاليف التشغيلية.
ويشير العامري إلى أن تقارير شركة “ماكينزي” تؤكد قدرة التحوّل الرقمي على خفض تكاليف التشغيل في بعض القطاعات بنسبة تصل إلى 30% من خلال رفع الكفاءة التشغيلية، ما ينعكس إيجاباً على جيوب المستهلكين في نهاية المطاف.
كما يساهم تسهيل المعاملات المالية عبر الحلول الإلكترونية والمحافظ الرقمية في تقليل تكاليف التعاملات النقدية وتعزيز الأمان، ما يثري تجربة المستخدم ويدعم الشمول المالي، حسب العامري، مشيراً إلى أن التزام الحكومات والقطاع الخاص في الخليج بهذا المسار يظهر جلياً من خلال استثمارات ضخمة في البنية التحتية الرقمية، ما جعل دولاً مثل الإمارات والسعودية تحتل مراكز متقدمة في مؤشر التحول الرقمي العالمي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.
وعلى مستوى الحياة اليومية، تُظهر تطبيقات النقل الذكي وخدمات التوصيل كيف يمكن للتكنولوجيا أن توفّر خيارات أكثر فعالية ومرونة، وهو ما يخفف الأعباء المالية على الأفراد، كما يسرع التطور التكنولوجي إنجاز المهام الروتينية ويوفر وصولاً أسهل للمعلومات، ما يعني تحسناً عاماً في جودة الحياة.
ولا تقتصر هذه الفوائد على الجانب المعيشي، بل تمتد إلى الاقتصاد الكلي؛ إذ يشير البنك الدولي إلى أن التحول الرقمي يمكن أن يضيف ما يصل إلى 3.5% للناتج المحلي الإجمالي السنوي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ولذا يلفت العامري إلى أن المنافسة بين الشركات التي تقدم منتجات وخدمات رقمية مبتكرة تولد ضغطاً إيجابياً نحو تحسين الأسعار وتنويع الخيارات أمام المستهلكين.
إعادة تشكيل شاملة
في هذا السياق، يشير الخبير في الشؤون المصرفية عادل ثمين، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن التحول الرقمي لا يعد مجرد ظاهرة عابرة أو اتجاهاً تقنياً حديثاً، بل ثورة شاملة أعادت تشكيل أساليب الحياة والإنتاج والتواصل، وحولت العالم من فضاء محدود إلى بيئة مفتوحة من الفرص؛ حيث أصبحت الخدمات أكثر سرعة، والمعارف في متناول الجميع، والحياة اليومية أكثر مرونة وذكاءً، مؤكداً أن هذا التحول، رغم إمكاناته الهائلة في خفض تكاليف المعيشة وتسهيل الروتين اليومي، لا يخلو من تحديات تتطلب إدارة حكيمة ورؤية شاملة.
ويضيف ثمين أن المؤشرات العالمية تشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تقود فعلياً مسيرة التحول الرقمي في المنطقة العربية؛ حيث تحقق السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عُمان تقدماً ملحوظاً في تبني التقنيات الحديثة ودمجها في مؤسساتها الحكومية والخاصة.
ويساهم هذا الزخم في تحقيق فوائد ملموسة، بحسب ثمين، منها خفض التكاليف التشغيلية، ورفع الكفاءة، وتحسين جودة البيانات، وتمكين اتخاذ قرارات مبنية على رؤى دقيقة، فضلاً عن تقليل الأخطاء البشرية وتعزيز رضا المستفيدين من الخدمات.
كما يساهم التحول الرقمي، وفق ما يوضح ثمين، في تمكين استخدام الذكاء الاصطناعي وتحقيق نتائج قابلة للقياس، ما يضمن استمرارية النمو الرقمي واستدامته؛ غير أن هذه المكاسب لا تأتي تلقائياً، بل ترافقها سلسلة من التحديات التي قد تهدد نجاح العملية برمتها إذا لم تُدر بفعالية.
المصدر: العربي الجديد



































