اقتصادياً، طوت سوريا الأصعب في عام 2025، العقوبات تحديداً، وما تلاها من مسار تعاون اقتصادي إقليمي ودولي، انفتح على الكثير من المؤشرات الإيجابية التي رفعت منسوب التفاؤل العام، بمستوييه الشعبي والرسمي، ولأجل ذلك صنفت الحكومة العام المقبل 2026 عامًا للتنمية، دون إغفال لمسألة أن التحديات ما زالت كبيرة، وتحتاج عملًا طويلًا وممتدًا.
سياسيًا، أيضًا تجاوزت سوريا الأصعب، وإن كانت بعض الملفات ما زالت في ميادين الترتيب والتفاوض، وتحتاج مزيدًا من الوقت والعمل. المهم هنا أن أعقد الملفات السياسية تم تجاوزها، أو حلحلتها على الأقل باتجاه نهايات إيجابية. كل ذلك وفق مسار انفتاح محسوب ومنسق، قاد إلى نتائج مهمة في زمن قياسي مشهود، خصوصًا إذا كنا نتحدث عن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، أو العلاقات مع الدول العربية ذات الثقل في المنطقة، وعلى رأسها السعودية.. إلى جانب تصحيح وتصويب مسار العلاقات مع دول أخرى، كانت ضمن حلفاء النظام السابق، وأبرزها روسيا والصين.
ولذلك، وكما يمكن تصنيف عام 2026 عامًا للتنمية، يمكن تصنيفه أيضًا كعام للسياسة، في مسارها الاقتصادي، وبما يصب في خدمة التنمية وتثقيل الفرص الاستثمارية، بما يُعجّل في تظهير نتائجها، انفراجًا اجتماعيًا واستقرارًا معيشيًا.
الهم الاقتصادي المعيشي
تتحدث الحكومة صراحة عن الهم الاقتصادي والمعيشي، وتضعه أولوية مع المسارات السياسية. صحيح أن السياسة تصدرت في عام 2025، إلا أن الاقتصاد تقدم بصورة بارزة في النصف الثاني من هذا العام، وهذا مرده إلى العمل السياسي الدؤوب الذي قاد إلى انفتاح اقتصادي واعد على سوريا.
وعليه فإن سوريا تدخل العام الجديد 2026 بسياسات اقتصادية أعمق وأهدأ وفق طموحات واقعية، تدرك حجم التحديات ولكنها في الوقت نفسه تؤمن بأن تحقيق النهوض الاقتصادي — حين يُدار بسياسات حكيمة — سيكون في متناول اليد، وسينتقل من عبء دائم إلى مساحة طمأنينة وفرص.. ومن التأثيرات السلبية الضاغطة إلى القبض على الفرص الاقتصادية.
التركيز هنا على أن ما تحقق على مستوى الانفتاح السياسي يكفي للانطلاق بعملية التنمية والنهوض الاقتصادي. صحيح أن هناك ملفات سياسية لا تزال عالقة، ولكن ليس بالضرورة أن تقف هذه الملفات حجر عثرة. في حالات ومواضع كثيرة يُمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد طلبًا للمنفعة المشتركة، ولأن المصالح العليا للدول تتطلب تجاوز العقد السياسية، وهذا ما نشهده في أمثلة عدة، أبرزها بين الولايات المتحدة والصين، وروسيا وأفغانستان/طالبان، والهند وباكستان، والهند والصين… إلخ.
بالعموم، هناك حالة ترقب اقتصادي تطغى مع اقتراب العام الجديد، وفقًا لمسار التوقعات التي تبني على ما تحقق اقتصاديًا خلال العام 2025 من رفع للعقوبات الغربية – الأميركية، وقرارات وتشريعات وتوقيع اتفاقيات وعقود، والانفتاح على صندوق النقد الدولي.
تحول جذري في بيئة الأعمال
لنأخذ أحدث مثال ورد في بيانات رسمية صادرة عن مديرية الشركات في وزارة الاقتصاد والصناعة، كشفت عن تحول جذري في بيئة الأعمال خلال العام 2025. حيث أظهرت البيانات قفزة بنسبة 100% في عدد الشركات المسجلة، مما يعكس استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني والرغبة في المشاركة بماراثون إعادة الإعمار، وفق بيان الوزارة.
ووفق البيانات تم تسجيل 18,023 شركة جديدة، بزيادة لافتة بلغت 9,348 شركة مقارنة بالعام الماضي. وتوزعت خارطة الاستثمارات الجديدة كالتالي: السجلات الفردية: تصدرت المشهد بـ 13,598 سجلًا تجاريًا. والشركات محدودة المسؤولية: سجلت حضورًا قويًا بـ 2,678 شركة. والشركات التضامنية والمساهمة: توزعت بين 1,526 شركة تضامنية و63 شركة مساهمة، بالإضافة إلى شركات التوصية.
هذا الزخم الاستثماري — وفق وزارة الاقتصاد والصناعة — لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تطوير الخدمات المقدمة للمستثمرين، وتيسير الإجراءات المتعلقة بتأسيس الشركات وتنظيم عملها، حيث عملت الوزارة على إعادة تأهيل وتطوير خدمات مديرية الشركات بشكل كامل لتحسين الأداء، وتقديم خدمات رقمية ومرنة تهدف لتذليل العقبات أمام رجال الأعمال.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر أوائل كانون الأول الجاري المرسوم رقم (275) لعام 2025، والذي يتضمن إعفاءات واسعة للمكلفين بضريبة دخل الأرباح الحقيقية والضرائب والرسوم المالية المباشرة الأخرى، إضافة إلى رسم الإنفاق الاستهلاكي ورسم الطابع المالي عن أعوام 2024 وما قبل. وكذلك إعفاءً كاملًا من الفوائد والعقوبات والغرامات إذا تم سداد المستحقات بحلول نهاية أيار/مايو 2026، وإعفاءً بنسبة 50% من الغرامات لأولئك الذين يسددون المدفوعات بين نيسان/أبريل، وحزيران/يونيو 2026.
مع ذلك يبقى الأهم بالنسبة للسوريين هو أن تنعكس مسارات الانفتاح السياسي والاقتصادي على وضعهم المعيشي والقدرة الشرائية، بعد انتظار طويل. ووفق خبراء اقتصاديين فإن الانفراجات على هذا المستوى قد تبدأ بالظهور في فترة تتراوح ما بين 3 إلى 6 أشهر، مشيرين إلى أنها المدة التي يحتاجها التجار والمستوردون لإعادة هيكلة سلاسل التوريد، وتوقيع عقود جديدة بشروط أفضل، وانعكاس ذلك على السوق الاستهلاكية، خاصة إذا ترافق كل ذلك مع استقرار سعر صرف الليرة السورية.
أما الأثر الأسرع — وفق الخبراء الاقتصاديين — فسيكون في القطاعات التي كانت مشمولة بشكل مباشر بالعقوبات، مثل قطاعات المصارف والإنشاءات والطاقة، أما الانعكاسات على الاقتصاد الكلي والنمو وفرص العمل فإنها ستتبلور في المدى المتوسط، وهذه توقعات مبشرة بالمجمل.
من التوقيع إلى التنفيذ
ولرؤية أكثر وضوحًا يتحدث الخبير الاقتصادي، الدكتور علي محمد، لـ«الثورة السورية» عن الفرص الاقتصادية/التنموية في العام 2026، قائلًا: “كل ما حصل خلال العام 2025 من إزالة للعقوبات سواء الأوروبية في شباط، ثم الأميركية في حزيران، ثم الكندية واليابانية والأسترالية انتهاءً بإزالة قانون قيصر نهائيًا.. تعد مؤشرًا كبيرًا جدًا على فتح أبواب التقدم والتنمية لدفع عجلة الاقتصاد، لأنها تعطي إشارات لرأس المال الحكيم بأن سوريا أصبحت خارج الدول المعاقبة، وبأن الاستثمارات باتت بعيدة عن سيف العقوبات. والأهم هو أن إزالة العقوبات بصورة نهائية يضع جميع الاتفاقات والعقود التي تم توقيعها مع الحكومة موضع التفعيل والتنفيذ، خصوصًا المتعلق منها بالمجال العقاري والصناعي والزراعي، ومن هنا ينطلق حديث التنمية في العام 2026”.
ويضيف محمد بأنه في حال بروز عقبات وعثرات فإن الدبلوماسية السورية كفيلة بتذليلها وفق ما شهدناه خلال عام سينتهي خلال أيام، سواء كنا نتحدث عن ملفات أمنية أو سياسية. وبرأيه أنه لا يمكن الفصل بين السياسة والاقتصاد لأن لهما مساران متوازيان متلازمان بشكل دائم، ولكن ما حدث خلال العام 2025 أكد أن هذين المسارين يسيران قدمًا بنفس الاتجاه والإنجازات، وبالتالي فإن الفرضيات التي تقوم على أن بعض العوامل الأمنية والمؤثرات السياسية قد تحول دون انطلاق مسار التعافي الاقتصادي، تبقى فرضيات، أي أنها بدرجة كبيرة غير قابلة للاستمرار.
وعمليًا، عند اتخاذ أي قرار سياسي أو اقتصادي لا بد أن يكون هناك دراسة لمجموع الظروف والمتغيرات الأمنية والسياسية القائمة والمتغيرة، وهذه الدراسة تكون بصورة دائمة وملازمة، باعتبار أن هذه المتغيرات ملازمة لأي استثمار ولأي نهضة في أي بلد، فكيف ونحن نتحدث عن سوريا وظروف 14 عامًا من الحرب، ثم التحرير وتحديات النهوض والبناء، كل ذلك ضمن معادلات جيوسياسية شديدة التعقيد والتحول، وحيث أن سوريا في القلب منها.
مشهد اقتصادي جديد
ويرى محمد، أن مشهدًا اقتصاديًا جديدًا سيبدأ بالتبلور خلال العام 2026. صحيح أن الاقتصاد يحتاج إلى وقت ورؤوس أموال، وإلى دراسات حصيفة من قبل المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال؛ لكن رأس المال (رغم أنه يختار التوظيف بشكل صحيح ويعتمد المقارنة بين العائد والمخاطرة) إلا أنه بالمفاضلة بين العائد والمخاطرة لناحية الاستثمار في سوريا، ستأتي لصالح المخاطرة إذا جاز لنا التعبير، كون العائد للاستثمار في سوريا هو عائد جيد جدًا للمستثمرين الدوليين. ونحن هنا نتحدث عن عائد يتراوح ما بين 20 إلى 30% في مختلف القطاعات، مقابل أن المخاطر لا بد ستكون قائمة، وهذا أمر ينسحب بالعموم على كل الاستثمارات في العالم، فأي استثمار يرافقه مخاطر، مع فارق النسب.
ويتابع محمد: “ستكون المفاضلة لمصلحة المخاطرة وإطلاق الاستثمارات”. ويضيف: إذا أخذنا نسبة 50% من الاتفاقيات والعقود الموقعة خلال العام 2025 (وقيمتها 28 مليار دولار وفق المعلن) وتحولت إلى اتفاقيات نهائية وتم وضعها موضع التنفيذ فهذا يعني أن سوريا أمام استثمارات تقدر بحدود 14 مليار دولار. هذه الاستثمارات (خصوصًا السعودية) مقدر لها أن تبدأ خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام المقبل 2026.
الاستثمارات السعودية بحسب محمد، ستكون قاطرة لغيرها من الاستثمارات، فيكفي أن توضع الاتفاقيات والعقود الاستثمارية مع السعودية موضع التنفيذ حتى تلحقها الاستثمارات الأخرى. وانسجامًا مع توقعات البنك الدولي المتفائلة لنسبة النمو في سوريا، فإنه يمكن القول إن العام المقبل 2026 سيشهد نموًا مهمًا في الناتج المحلي الإجمالي، وتاليًا سيكون بداية لمسار التعافي الاقتصادي.
2026 عام الانتقال إلى الاستقرار
تقول الدكتورة منال الشياح، رئيس قسم المحاسبة في كلية الاقتصاد الثانية، ونقيب اقتصاديي فرع درعا، أن العام المقبل سيكون عام الانتقال إلى الاستقرار، وذلك عند النجاح في تحويل المسارات السياسية إلى مصانع وحقول منتجة تزيد القوة الشرائية وتدعم موقع الليرة السورية.
وترى الشياح في حديثها لـ«الثورة السورية» أن عام 2025 كان عام التأسيس، حيث شهد تدفق عقود استثمارية ضخمة، وإن كانت تتركز في مشاريع طويلة الأمد كالطاقة المتجددة وإعادة بناء المرافئ والمسارات التجارية وغيرها.
لذلك، تضيف الشياح، فإن الأثر الاقتصادي على الوضع المعيشي لهذه العقود والانفتاح الاقتصادي بشكل عام لن يكون فوريًا، بل يحتاج وقتًا، حيث أن رفع العقوبات يفتح الباب لكنه لا يدخل الأموال تلقائيًا إلى جيوب الناس، فما تزال هناك فجوة واسعة بين الاقتصاد الكلي (الاستثمارات والاتفاقيات) والاقتصاد المعيشي (الأسعار والرواتب). بمعنى أن الانعكاس الإيجابي يحتاج إلى: زمن تقني لإعادة ربط المصارف، وتفعيل التحويلات المالية، وعودة شركات الشحن والتأمين. ويحتاج إلى ثقة استثمارية، وإلى وجود سياسات داخلية مرافقة: ضبط سعر الصرف، تخفيف الجباية، محاربة الاحتكار.
ومن المتوقع بحسب الشياح، أن يبدأ المواطن بلمس تحسن تدريجي في النصف الثاني من العام الجديد، شرط استقرار سعر الصرف وتفعيل «اقتصاد السوق الحر» الذي بدأت بوادره تظهر.
وتعدد الشياح قطاعات محددة ستكون هي القاطرة للنهوض الاقتصادي في عام 2026، أبرزها: قطاع الطاقة، حيث يجب البدء الفعلي بتشغيل محطات الطاقة الشمسية الكبرى (بتمويلات دولية) لتقليل العجز الكهربائي الذي يشل الصناعة. والتحويلات المالية، من حيث سهولة تدفق الأموال عبر النظام المصرفي العالمي بعد فك العزلة، مما سيخفض كلفة الاستيراد وينعكس (نظريًا) على انخفاض أسعار السلع الأساسية.
كذلك أيضا، إعادة الإعمار بتمويل خارجي، حيث تشير التوقعات إلى بدء مشاريع “التعافي المبكر” الممولة من الصناديق العربية والدولية، والتي ستوفر فرص عمل واسعة للشباب.
اليابان على خط التنمية
قاطرة الاستثمار في سوريا انضمت إليها اليابان رسميًا يوم الاثنين الماضي، مع زيارة نائب وزير خارجيتها، يوهيني أونيشي، لدمشق، ولقائه وزير المالية محمد يسر برنية ومسؤولين حكوميين آخرين.
وأعلنت اليابان بداية «عهد جديد» في العلاقات مع سوريا، مشيرة إلى عزمها تقديم دعم بقيمة 53 مليون دولار، وذلك في بيان لوزارة الخارجية اليابانية أعقب الزيارة.
ونقل البيان عن أونيشي قوله إن زيارته لدمشق تمثل التواصل الرسمي الأول، رفيع المستوى، مع سوريا بعد انقطاع في العلاقات منذ ما يقرب من 15 عامًا.
وأكد أونيشي أن اليابان عازمة على دعم جهود الحكومة السورية لضمان انتقال شامل وسلمي ومستقر، مبينًا أنه تم «فتح صفحة جديدة» في العلاقات الثنائية بين البلدين. وقال: طوكيو لا تزال عازمة على مواصلة التعاون الاقتصادي مع دمشق، لافتًا إلى تخصيص 53 مليون دولار مساعدات لسوريا في ميزانية السنة المالية الحالية لليابان.
تأتي هذه الزيارة واستعادة العلاقات الدبلوماسية ضمن استراتيجية الحكومة السورية الهادفة إلى استعادة وتنشيط قنوات التواصل الاقتصادي مع الدول الصديقة، لاسيما اليابان التي تمثل ثقلًا عالميًا في مجالات التكنولوجيا وإعادة الإعمار.
مسار تجاري مع روسيا
في السياق، ورغم أن زيارة وفد حكومي سوري رفيع المستوى إلى روسيا تندرج ضمن مسارات عدة، إلا أن المسار الاقتصادي حاضر فيها، وهذه الزيارة هي الأحدث في إطار سياسات سوريا لتصويب وتصحيح العلاقات مع روسيا.
ووفق وكالة «سانا» التقى وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني ووزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تمت مناقشة قضايا اقتصادية إلى جانب القضايا السياسية والعسكرية.
وتناولت مجمل مباحثات الوفد السوري مع المسؤولين الروس، ومنهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، التعاون الاقتصادي وتوسيع آفاق التعاون التجاري، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمارات، إضافة إلى تعزيز التبادل التجاري وتسهيل الشراكات بما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد ويحسن الظروف المعيشية للسوريين.
كما تناولت المحادثات سبل تطوير الشراكة العسكرية والتقنية، ونقل الخبرات الفنية، والتعاون في مجالات البحث والتطوير، بما يعزز منظومة الدفاع الوطني ويدعم الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة.
مها سلطان
المصدر: الثورة السورية



































