تشكل كأس أمم أفريقيا “توتال إنيرجي” المغرب 2025 محطة فارقة، ليس فقط في تاريخ الموارد المالية للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، بل أيضاً في حجم العائدات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة التي يُنتظر أن يجنيها المغرب من تنظيم هذا الحدث القاري.
طفرة مالية
بحسب معطيات رسمية صادرة عن الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف”، يُتوقع أن يبلغ إجمالي إيرادات السنة المالية 2025-2026 نحو 3.1 مليارات درهم (312.8 مليون دولار)، أي بزيادة تقارب 88% مقارنة بدورة 2023-2024.
وتنعكس هذه القفزة على الاقتصاد المغربي عبر ارتفاع مداخيل حقوق البث والإعلانات، وتدفق إنفاق الجماهير والبعثات الرسمية، فضلا عن العائدات الضريبية المرتبطة بالنقل والإيواء والخدمات.

وتعكس هذه الزيادة، وفق مسؤولي “الكاف”، الجاذبية التجارية غير المسبوقة لهذه النسخة من البطولة، سواء من حيث حقوق البث، أو الرعاية، أو الإقبال الجماهيري.
ولا تنفصل هذه الثقة عن حجم الاستثمارات التي ضخها المغرب في البنية التحتية الرياضية وغير الرياضية، والتي جعلت البطولة تُصنف كحدث عالمي، إذ يُتوقع أن يزور المغرب نحو 1.5 مليون مشجع، بينهم نحو 100 ألف من أوروبا وأسواق غربية أخرى، كما يبرز الخبير بالمعهد المغربي للذكاء الإستراتيجي، هشام كسراوي.
ويضيف كسراوي في حديث للجزيرة نت أن معدل إنفاق هؤلاء المشجعين يختلف حسب الأسواق، غير أن الإنفاق المتوسط يتجاوز 10 آلاف درهم (ألف دولار) للفرد، تشمل تذكرة السفر، والإقامة، وتذاكر المباريات، والوجبات، والأنشطة التجارية، مما يعني عائدات إجمالية قد تصل إلى 12 مليار درهم (مليار دولار).
تمويل غير تقليدي
وفي استعداداته لتنظيم “الكان”، اختار المغرب كسر المنطق التقليدي القائم على الإنفاق العمومي المباشر، فقد كشف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، عن تعبئة استثمارات تقارب 150 مليار درهم (15 مليار دولار)، تشمل تأهيل الملاعب والبنية التحتية .
ويعتمد هذا النموذج على آلية استرداد التكاليف على مدى يقارب 20 عاما (نظام الدفع المؤجل) عبر “صندوق الإيداع والتدبير”، بما يخفف الضغط عن الميزانية العامة ويؤسس لمنطق الاستثمار المنتج، بدل الاكتفاء بالإنفاق الظرفي المرتبط بالحدث، وفق مراقبين.

وفي قطاع النقل، خصص المغرب استثمارات تناهز 11 مليار درهم (1.1 مليار دولار) في إطار البرنامج الوطني للنقل الحضري ويهدف إلى تعبئة أكثر من 3800 حافلة بحلول عام 2029.
ويؤكد هشام كسراوي أن “الرابح الأكبر هو سكان المدن المغربية المحتضنة للمباريات، لأنهم كسبوا عرضا خدماتيا جديدا في مجال النقل”، مبرزا أن تحسين خدمات النقل ينعكس مباشرة على جاذبية وتنافسية المدن بما يحفز جذب الشركات واستحداث فرص عمل جديدة.
الملاعب محركات للنمو
ولا يراهن المغرب على الملاعب باعتبارها فضاءات رياضية فقط، بل رافعات اقتصادية محلية ووطنية. فوفق دراسة حديثة، يمكن لاستثمارات كأس أفريقيا أن تولد “آثارا إيجابية خارجية” في المدن المستضيفة، حيث تتحول المنشآت الرياضية إلى أقطاب نمو محلي.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في الاقتصاد والتدبير بجامعة محمد بن عبد الله بفاس، ياسين النيصر، أن المنشآت الرياضية يجب أن “تُفهم كمشاريع حضرية (بالمدن) مهيكلة، تندرج في صلب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عبر ربطها بمحيطها من خلال النقل، وتهيئة الفضاءات العامة، وتعزيز جاذبية المجالات الترابية المجاورة (المناطق المحيطة).
وحول سوق العمل، يضيف النيصر أن “هذه التظاهرات تخلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة وتعزز من خبرات وكفاءات الفاعلين المحليين على المدى المتوسط”.
من جهته، يشدد الأكاديمي سعيد أوهادي على البعد الرمزي والاستثماري، معتبرا أن “تجهيز 9 ملاعب من الجيل الجديد، وتخصيص فندق 5 نجوم لكل منتخب -وهو ما يحدث لأول مرة في أفريقيا- يعزز صورة المغرب ويزيد من جاذبيته لدى السياح والمستثمرين”.

اختبار جاهزية المغرب لاحتضان مونديال 2030
ينظر المغرب إلى نسخة 2025 من كأس أفريقيا باعتبارها اختبارا عمليا قبل استضافة كأس العالم 2030. وتُعد الجاهزية المبكرة لملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط وملعب طنجة الكبير رسالة ثقة موجهة إلى الشركاء الدوليين.
بدوره، يرى الأكاديمي سعيد أوهادي أن تنظيم “هذه التظاهرة سيمكن من تجويد الخدمات العامة وتمكين الجماعات الترابية من موارد إضافية، بما ينعكس إيجابا على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين”.
وفي حين يتردد صدى صافرات الحكام في الملاعب، تستمر عجلة الاقتصاد المغربي في الدوران خلف الكواليس. فالمغرب لا ينظم بطولة كرة قدم فحسب، بل يصوغ نموذجا تنمويا يجعل من الرياضة بوابة للتموقع كقوة إقليمية صاعدة على أعتاب عام 2030، كما يخلص الخبراء.



































