تعد الهندسة الصناعية إحدى الركائز الأساسية في البنية الاقتصادية السورية، حيث تشكل الرابط بين الإنتاج التقليدي والتكنولوجيا الحديثة، ومن خلال تاريخها الطويل، تكشف الهندسة الصناعية في سوريا تحولات كبيرة، بدءاً من نموذج التأميم والبيروقراطية، وصولاً إلى محاولات بناء اقتصاد تنافسي قائم على الكفاءة المؤسسية.
التأميم وبناء القاعدة الهندسية الأولى
في الستينيات، وتحديداً بعد تأميم الاقتصاد في عام 1963، تم تأسيس المؤسسة العامة للصناعات الهندسية؛ بهدف توحيد إدارة الشركات المنتجة في مجالات حيوية، مثل: الكابلات، الحديد، الأجهزة الكهربائية، والآليات الزراعية،
وعلى الرغم من أن الهدف المعلن كان تحقيق الاكتفاء الذاتي، فإن التوجه السياسي كان الأبرز، حيث استخدمت الدولة المصانع كأداة لترسيخ سيطرتها المركزية، أكثر من كونها مشاريع إنتاجية فعالة. وبالرغم أيضاً من التوسع الكمّي للصناعات الهندسية، كانت الكفاءة الإنتاجية منخفضة، وافتقد القطاع للابتكار والمنافسة، حيث توقّفت المبادرات الفردية وتراجعت الصادرات، وقد أظهرت بيانات مؤشر الأداء الصناعي لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أن القدرة التنافسية للقطاع انخفضت إلى مستوى منخفض بلغ 0.28 فقط، مع الاعتماد شبه الكامل على التمويل الحكومي والمواد المستوردة.
وفي السبعينيات، ومع استقرار الحكم السياسي، تحول القطاع الهندسي إلى ذراع بيروقراطية قوية ضمن إطار الاقتصاد المركزي وتوسع ليضم أكثر من 13 شركة صناعية كبيرة، مثل: “بردى” ،”سيرونيكس” ، “حديد حماة” ، “كابلات دمشق”، إلا أن إنتاجية هذه الشركات ظلّت أقل من 60% من طاقتها الإنتاجية الفعلية.
بالرغم من تضخم رأس المال الصناعي، بقيت قدرة القطاع على المنافسة محدودة، مع حصة ضئيلة للبحث العلمي لم تتجاوز 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وغياب المؤسسات المختصة بالجودة أو الاختبارات الصناعية، ما جعل النمو شكلياً ومحدود الفائدة على المدى الطويل.
انفتاح محدود وتقييد مؤسسي
بينما تم طرح مفهوم “اقتصاد السوق الاجتماعي” مع بداية الألفية الجديدة، والذي شمل تأسيس مناطق صناعية، مثل: عدرا، حسياء، وحلب، وبالرغم من بعض التحديثات في خطوط الإنتاج وارتفاع عدد المنشآت الخاصة، بقي الانفتاح الاقتصادي شكلياً بسبب استمرار البيروقراطية، وحصر الامتيازات في دوائر ضيقة، ما أدى إلى ضعف التمويل البحثي واستمرار الاعتماد على تكنولوجيا قديمة مستوردة.
ووفق تقديرات الأداء الصناعي، لم تتجاوز مساهمة الصناعات الهندسية في الناتج الصناعي العام 10–12%، بينما بلغ مؤشر القدرة التنافسية للقطاع 0.50 فقط، أي نصف المعدل العالمي للبلدان الصناعية المتوسطة.
وقد تسببت الحرب المستمرة منذ عام 2011 في تدمير واسع للبنية التحتية الصناعية في سوريا، مع توقف العديد من المصانع في حلب وحمص وريف دمشق، ما أدى إلى تراجع مساهمة الصناعة بشكل عام إلى نحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض الصناعات الهندسية إلى أكثر من 70%.
وبالرغم من هذه الظروف الصعبة، ظهرت مبادرات محلية لإعادة تشغيل ورش صغيرة لتصنيع المعدات الزراعية والمعادن، حيث اعتمدت على مواد محلية، وأظهرت قدرةً لافتةً في إدارة العمليات بعيداً عن المركزية الحكومية، ما يمثل بذور “اقتصاد السوق المنضبط”.
ومع ذلك، تراجعت القدرة التنافسية بشكل حاد، حيث هبط مؤشر التنافسية الصناعية إلى 0.15 فقط.
إعادة الإعمار الصناعي وبناء التنافسية المؤسسية
مع بداية مرحلة إعادة الإعمار، تشير التقديرات إلى تعافٍ تدريجي للصناعة السورية، حيث تم تسجيل أكثر من 380 مشروعاً هندسياً جديداً، وبلغت الاستثمارات في هذا القطاع نحو 937 مليار ليرة سورية.
من المتوقع أن ترتفع مساهمة الصناعات الهندسية في الناتج المحلي إلى 17–18% بحلول عام 2030، وأن تزداد حصة الصادرات الصناعية إلى حوالي 40%، إلا أن هذا التعافي يعتمد على إصلاحات مؤسسية شاملة؛ تشمل ربط التمويل بالإنتاج الفعلي بدلًا من: الإنفاق الإداري، إعادة هيكلة الشركات العامة؛ وفق مبدأ الشراكة مع القطاع الخاص، توطين التكنولوجيا من خلال إنشاء مراكز للابتكار الصناعي داخل المدن الصناعية، وتحسين التعليم المهني لتلبية احتياجات سوق العمل التقني، وهو ما من شأنه رفع مؤشر التنافسية الصناعية إلى 0.6، ما يعكس مستوى الدول الصناعية الصاعدة.
من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد الكفاءة
وعلى الرغم من بوادر التعافي، لا تزال هناك تحديات بنيوية تعرقل تطور الصناعات الهندسية، أبرزها: الاعتماد المستمر على استيراد المواد الأولية والمعدات، غياب نظام وطني للمعايير والجودة، ضعف الترابط بين الجامعات والمصانع، التفاوت الجغرافي في توزيع المنشآت الصناعية، وقصور في البنية التمويلية بسبب ارتفاع تكلفة القروض الصناعية وحدودها لتعزيز النهوض الحقيقي للقطاع الهندسي السوري، وينبغي الانتقال من نموذج “اقتصاد الدعم” إلى “اقتصاد الكفاءة”، عبر إنشاء مراكز بحث وتطوير تطبيقي ترتبط بـالعقود الصناعية، تطوير آلية دعم تصديري مشروطة بتحقيق معايير الجودة، إنشاء نظام رقمي موحد للترخيص الصناعي لتسهيل الإجراءات، تحفيز الصناعات الصغيرة والمتوسطة، ولاسيما في مجالات التشغيل المعدني والإلكتروني، وتوسيع الشراكات الإقليمية لنقل التكنولوجيا بدلاً من استيرادها، ما سيحول الهندسة الصناعية من قطاع تقليدي يعتمد على الدعم الحكومي إلى محرك أساسي للابتكار والنمو الاقتصادي.
يمثل تاريخ الصناعات الهندسية في سوريا مرآة دقيقة للتحولات السياسية والاقتصادية؛ من التأميم والبيروقراطية إلى محاولات الانتقال إلى اقتصاد السوق، مع غياب الإدارة الفعّالة والآليات المؤسسية السليمة.
لكن، ومع بداية مرحلة إعادة الإعمار، توجد فرصة حقيقية لبناء قطاع هندسي حديث يقوم على المعرفة والحوكمة المؤسسية؛ يمكن من خلاله تحويل الهندسة الصناعية إلى ركيزة أساسية للنمو المستدام، ومؤشر إلى تحول سوريا من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد التنافسية الحديثة.



































