يمثل عام 2025 نقطة تحول مركزية في مسار التعافي الاقتصادي في سوريا، إذ بدأت البلاد تدخل مرحلة جديدة تقوم على الانفتاح التدريجي وإعادة بناء الجسور مع المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، ويعكس هذا التطور رغبة متبادلة بين الجانبين في وضع أسس أكثر استقراراً للنمو، والانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة التخطيط الفعلي للتنمية، وقد شكّلت زيارة وفد الصندوق إلى دمشق وما تبعها من تصريحات إيجابية، مؤشراً واضحاً على وجود فرصة حقيقية لإطلاق مسار إصلاحي مدروس يعزز الثقة ويعيد الأمل لاقتصاد البلاد.
ويرتكز التعاون الفني المقترح بين سوريا وصندوق النقد الدولي على حزمة واسعة من المحاور التي تهدف إلى معالجة الاختلالات المتراكمة وبناء قاعدة صلبة للنمو، يتصدرها إصلاح المالية العامة للدولة، إذ يشمل تحسين إدارة الموارد، وتطوير النظام الضريبي، وتعزيز كفاءة الإنفاق، بما يدعم العدالة والاستدامة الاقتصادية داخل البيئة التنموية المرتقبة في البلاد، أما على الصعيد النقدي فيركز التعاون على دعم استقلالية مصرف سوريا المركزي وتطوير أدوات السياسة النقدية لضبط السيولة والحد من التضخم، ويسهم هذا الاتجاه في تقوية العملة المحلية، وخلق بيئة أكثر استقراراً للمستثمرين، وتشجيع القطاعات الإنتاجية على التوسع، ما يعزز فرص النمو ويزيد الثقة بالاقتصاد خلال المرحلة المقبلة بصورة تدريجية مدروسة.
ويمثل تحسين جودة البيانات الاقتصادية محوراً أساسياً ضمن برنامج التعاون، لأنه يتيح وضع سياسات دقيقة تستند إلى مؤشرات واضحة؛ فالبيانات الموثوقة تعزز قدرة المؤسسات على تقييم الاحتياجات، وتساعد في بناء شراكات دولية أكثر فاعلية، وتمنح المستثمرين فهماً أفضل لاتجاهات السوق المحلية وإمكاناتها المستقبلية على نحو يدعم الاستقرار والتنمية الشاملة المستدامة.
وتؤكد مؤشرات الاستقرار الداخلي وجود بيئة أفضل للتعافي، إذ تسهم عودة الكفاءات وتنامي الاهتمام الدولي في توفير ظروف مواتية للانتعاش، ومن شأن تحسين بيئة الأعمال وتطوير الأطر القانونية المناسبة أن يجذب استثمارات جديدة، ويعزز القدرة الإنتاجية، ويوفر فرص عمل تسهم في تحسين مستويات المعيشة على امتداد المرحلة المقبلة كاملة.
ويظل نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة المؤسسات العامة على تنفيذ إصلاحات تدريجية تراعي البعد الاجتماعي وتضمن الحماية للفئات الضعيفة، وإذا تمكنت الدولة من استثمار الدعم الفني الدولي بكفاءة، فإن النتائج ستنعكس إيجاباً على مختلف القطاعات، مما يعزز الثقة العامة ويمهد لنمو اقتصادي أكثر رسوخاً في مسارات التعافي المقبلة بشكل مستدام، كما يسهم التعاون بين القطاعين العام والخاص في دعم هذا المسار، إذ يمكن للمؤسسات الإنتاجية ورواد الأعمال المساهمة في تنشيط الاقتصاد عبر مشاريع مبتكرة، ويساعد تعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث في تطوير حلول حديثة، تدعم التصنيع، وتحسن كفاءة الموارد، وتفتح آفاقاً أوسع للنمو المستقبلي على مستوى الاقتصاد الوطني كله.
وتوفر الظروف الحالية فرصة مناسبة لاعتماد نهج تنموي قائم على الابتكار والاستفادة من الخبرات الدولية في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويسهم هذا النهج في تعزيز مرونة الاقتصاد، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين القدرة التنافسية، مما يضع الأسس اللازمة لاقتصاد أكثر قدرة على الصمود أمام التحديات المستقبلية على المستويات كافة دون استثناء.
وفي المحصلة، يعكس التعاون بين سوريا وصندوق النقد الدولي توجهاً واعداً نحو بناء مرحلة اقتصادية جديدة تعتمد على التخطيط العلمي والإدارة الرشيدة، ومع استمرار الإصلاحات، وتفعيل الشراكات، وتعزيز الحوكمة، ستتمكن سوريا من دفع عجلة التنمية، وتحقيق تعافٍ حقيقي، وترسيخ مستقبل اقتصادي أكثر ازدهاراً وثباتاً على مدى السنوات المقبلة بإذن الله.
العالم الاقتصادي



































