بقلم: د. علي سمحة
لقد صنعت الثورات؛ التي قامت على مدار تاريخ الشعوب، لحظات تحرر سياسي فارقة، واكتسبت قيمتها من قدرتها على إحداث تحول في هيكل الاقتصاد الوطني؛ من خلال بناء قاعدة إنتاجية تضمن الاستقلال الاقتصادي وتنمي الثروة والمعرفة.
وبمتابعة بيانات البنك الدولي؛ تمثل الدول الصناعية أكثر من 70٪ من الناتج العالمي، بينما الدول ذات الاقتصادات الريعية والزراعية تتأثر بتقلبات الطلب الخارجية.
وفي سوريا، بينت التجربة غياب السياسة الصناعية المتماسكة فيها منذ الاستقلال عام 1946، ما أدى إلى إضعاف أثر كل تحول سياسي لاحق، إذ تعاقبت عليها المبادرات الفردية والتأميم والانفتاح الشكلي من دون انتقال فعلي الى اقتصاد إنتاجي، لذلك فإن التصنيع ما بعد الثورة يمثّل شرطاً أساسياً لتحويل النصر السياسي إلى تنمية وطنية مستدامة.
أولاً : الإطار النظري والتجارب المقارنة
وفق علم الاقتصاد السياسي؛ إن التصنيع هو المرحلة الحاسمة في الانتقال من الثورة السياسية إلى النهضة الاقتصادية، بترجمة الإرادة الشعبية إلى مؤسسات إنتاجية فعالة.
ونجاح الصناعة لا يعتمد على وفرة الموارد، بل على قدرة الدولة على تعبئة رأس المال والمعرفة، والتخطيط طويل المدى، ضمن إطار مؤسسي منضبط.
وفي هذا السياق تبرز أربع تجارب دولية رئيسة:
1- ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية: تبنت نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي”، حيث جمع بين فوائد السوق الحرة والتدخل الحكومي المنظم، فأُعيد بناء الصناعات الثقيلة والكيماوية؛ ضمن خطة تمويل إنتاجي صارمة، وتضاعف الناتج الصناعي أربع مرات خلال عقدين فأصبحت ألمانيا مركزاً صناعياً أوروبياً رائداً.
2- كوريا الجنوبية(1961_1985) : اعتمدت سياسة الدولة التنموية القائمة على التخطيط المرن، فتم تحويل اقتصادها من زراعي الى صناعات ثقيلة وإلكترونيات، من خلال ربط الحوافز بأداء الصادرات، فارتفعت حصة الصناعة من الناتج المحلي من 14٪ إلى 38٪، وأثبت “التصنيع الموجَّه للتصدير” فعاليته في نقل الاقتصاد من الفقر إلى التنافس العالمي.
3- الصين بعد 1978 : مثّلت نموذجاً متدرجاً للإصلاح الصناعي داخل إطار اشتراكي موجه، وأُنشئت مناطق اقتصادية خاصة لجذب الاستثمار الخارجي، بشروط نقل التكنولوجيا والتوظيف المحلي، كما ارتفعت القيمة المضافة الصناعية الى أكثر من ثمانية أضعاف خلال ثلاثة عقود، وتحوّلت الصين إلى أكبر قاعدة إنتاج صناعي عالمي بحلول عام2010
4- البرازيل (1950-1980): اعتمدت سياسة إحلال الواردات مدعومة ببنك التنمية الوطني لتطوير الصناعات التحويلية، وبالرغم من التقلبات اللاحقة، فإن الصناعة حققت نمواً سنوياً تجاوز 10٪ خلال السبعينيات وأسست قاعدة تكنولوجية وطنية خاصة في الطيران والسيارات والبتروكيماويات.
توضح هذه التجارب أن التصنيع الناجح يقوم على ثلاث ركائز:
_ وجود دولة تنموية قادرة على التوجيه.
_ استثمار متواصل في التعليم التقني والبحث العلمي.
_ تطبيق سياسات تصديرية أو إحلالية منضبطة، تحول السوق المحلية الى قاعدة للاندماج في الاقتصاد العالمي.
ثانياً: التحديات البنيوية في الاقتصادات الثورية
تواجه الدول الخارجة من الثورات مشكلات هيكلية متشابهة:
ضعف المؤسسات، تآكل البنية التحتية، وانكماش رأس المال الوطني.
وتشير بيانات UNIDO (2023) إلى أن الاقتصادات الخارجة من النزاعات تحتاج ما بين خمس وعشر سنوات لاستعادة مستويات الإنتاج السابقة إذا لم تعتمد استراتيجية تصنيع واضحة.
وفي الحالة السورية، تراجع مؤشر الأداء الصناعي من 0.50 عام 2010 إلى 0.15 عام 2020 ، بسبب الدمار وهجرة الكفاءات وتعدد مراكز القرار.
أما المعوقات فيها فتتمثل بـ: ضعف التمويل الإنتاجي، الاعتماد على الاستيراد، والفجوة التكنولوجية، إضافة إلى غياب التنسيق بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، لذلك يحتاج أي مشروع تصنيع بعد الثورة إلى إصلاح مؤسسي شامل قبل الاستثمار الواسع.
ثالثاً: التصنيع كآلية لإعادة بناء الدولة
من خلال أربع وظائف مترابطة:
1- توليد فرص عمل منتجة : كل وظيفة صناعية تخلق ثلاث وظائف غير مباشرة في الخدمات والنقل والتجارة.
2- تحقيق الاكتفاء الاستراتيجي: تطوير الصناعات الأساسية كالدواء والمعادن والطاقة المتجددة، ما يقلل الواردات ويحمي الأمن القومي الاقتصادي.
3- نقل التكنولوجيا وتوطين المعرفة: بربط الجامعات بمراكز البحث الصناعي يتحول التعليم إلى أداة إنتاج فعالة.
4- تعزيز القدرة التصديرية: الصناعات القابلة للتنافس الخارجي تؤمن استقرار العملة الوطنية.
وتؤكد التجربة الكورية هنا أن الاعتماد على التصنيع التصديري رفع الناتج الصناعي السنوي بمعدل 12٪ خلال عقدين، ليتضح الأثر التراكمي للسياسات الموجهة.
رابعاً: السياسات الصناعية المقترحة لما بعد الثورة
وذلك ضمن إطار مؤسسي متكامل، وأهمها:
1- التخطيط الصناعي بعيد المدى : إعداد خطة لعشر سنوات تستهدف القطاعات ذات الأولوية ( الدواء، الطاقة، والهندسة الميكانيكية)، وتربطها بأهداف التصدير.
2- حوكمة الاستثمار: إنشاء منصة رقمية موحدة لتراخيص المشاريع وتطبيق نظام تقييم أداء دوري.
3- تحفيز الاستثمار الوطني: منح إعفاءات ضريبية وتمويل ميسر للصناعات الصغيرة والمتوسطة.
4- توطين التكنولوجيا: إنشاء صناديق تمويل مشترك تدعم الابتكار وتربط مخرجات الجامعات بالإنتاج.
5- إصلاح التعليم المهني: تحديث المناهج وتطوير مراكز تدريب متخصصة على غرار النموذج الألماني في التعليم المزدوج.
6- تطوير البنية التحتية الصناعية: توفير طاقة مستقرة، نقل فعّال، واتصالات رقمية تعزز الإنتاج والتصدير.
خامساً: إدارة المخاطر واستثمار الفرص
تتطلب مرحلة ما بعد الثورة توازناً بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية، فالإفراط في الدعم الحكومي غير المنتج يضعف القدرة التنافسية للشركات والاقتصاد على المدى الطويل، بينما تؤدي سياسات السوق المطلقة إلى تركّز الثروة بفئة معينة ويزيد التفاوت الطبقي، لذا فإن مبدأ “العدالة الإنتاجية”، الذي يربط توزيع الدخل بالإنتاج في العمل؛ عبر مكافأة الأفراد بناء على مساهماتهم، يعد أساساً لتحقيق هذا التوازن.
توفر المرحلة فرصاً استراتيجية، منها:
_ شرعية سياسية تمكن من إصلاحات هيكلية.
_ طاقات بشرية شابة يتم توجيهها للصناعة.
_ إعادة الإعمار كمحرّك أولي للتصنيع المحلي.
وفي الحالة السورية، يتيح ما يسمى “اقتصاد السوق المنضبط” نموذجاً أولياً لإدارة اقتصادية، تقوم على: اللامركزية، الرقابة المجتمعية، وربط التمويل بالأداء.
سادساً: مؤشرات قياس التقدم الصناعي
نجاح التصنيع يحتاج منظومة متابعة دقيقة؛ تشمل مؤشرات كمية ونوعية وهي:
_ مساهمة الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
_ معدل النمو السنوي للإنتاج الصناعي.
_ نسبة المكون المحلي في الصناعات الاستراتيجية.
_ عدد الوظائف الصناعية الجديدة.
_ نفقات البحث والتطوير كنسبة من الناتج المحلي.
كما يُعتمد مؤشر الأداء التنافسي الصناعي (CIP) الذي يجمع بين الأداء الصناعي (P)، والقدرة التصديرية (E)، والقدرة المستقبلية (F) .
وتظهر تقارير الأمم المتحدة أن الدول التي تخصص أكثر من 1.5٪ من ناتجها المحلي للبحث الصناعي يتضاعف معدل نموها خلال عقد واحد.
الخاتمة
تؤكد التجارب الدولية أن التصنيع بعد الثورة ليس خياراً اقتصادياً، بل هو شرط واجب لقيام دولة حديثة ومستقلة اقتصادياً، فالثورات التي تتوقف عند تغيير السلطة تبقى هشةً؛ ما لم تُترجم إلى قاعدة إنتاجية وطنية.
وتكشف الخبرة السورية أن المعضلة ليست في نقص الموارد، بل في ضعف المؤسسات الصناعية والحوكمة، لذلك فإن بناء منظومة تصنيع قائمة على الكفاءة والبحث والابتكار هو الطريق الوحيدة لتحويل زخم الثورة إلى تنمية مستدامة.
إذاً.. من داخل المصنع تصبح مؤسسات الدولة قادرة على صون استقلالها السياسي والاجتماعي، وتالياً يُعبّد طريق السيادة الاقتصادية.



































