بقلم: أ.د.طارق عفاش
رئيس الاتحاد البرلماني الدولي لحماية البيئة
يمثّل يوم الثامن من كانون الأول عام 2024 يوم التحرير محطة مفصلية في التاريخ السوري المعاصر، إذ تجاوز طابعه السياسي المباشر ليعبّر عن تحوّل عميق في إدراك السوريين لدورهم وموقعهم داخل المجال الوطني.
فقد شكّل هذا اليوم نقطة انعطاف أساسية أعادت صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة على أسس تقوم على الحقوق والكرامة والمسؤولية العامة، كما أتاح التحرير إمكانية إعادة بناء الدولة وفق مرتكزات الحوكمة الرشيدة وسيادة القانون وتعزيز المشاركة المجتمعية، بما يجعل منه منطلقاً لمسار وطني يهدف إلى ترسيخ الاستقرار المؤسسي وإحياء الأمل في مستقبل يلبي تطلعات السوريين ويمهّد لبناء دولة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة.
أولاً: استعادة الأمل وتأسيس الوعي الوطني الجديد:
يمثّل هذا اليوم محطة مفصلية في إعادة هيكلة الوعي الوطني السوري، إذ أرسى إطاراً جديداً للعلاقة بين الدولة والمجتمع بعد عقود اتّسمت بضعف الإدارة العامة، وتعثر مسارات التنمية، وتراجع فاعلية المؤسسات، فقد أدت سياسات النظام البائد إلى إلى تراكم تحديات عميقة أثّرت في الأداء الاقتصادي والإداري، وحدت من استغلال لطاقات البشرية وإسهامها في الشأن العام، ما ولّد شعورًا متزايدًا بالابتعاد عن مسارات التطوّر الإقليمي والدولي، ومع يوم التحرير، تهيأت الظروف لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة على أسس تقوم على سيادة القانون والشفافية والمساءلة وتعزيز المشاركة المجتمعية، وترسيخ استدامة التنمية، وضمان انسجام الدولة مع متطلبات العصر وتطلعات السوريين.
ثانياً: انهيار البنية الأمنية وتفكك نموذج السلطة الاستبدادية:
ومع تراجع قدرة الأجهزة الأمنية على فرض السيطرة، تبيّن بوضوح أن السلطة التي تفتقر إلى مرتكزات الشرعية الأخلاقية والسياسية تصبح عاجزة عن تأمين استمراريتها، وفي هذا الإطار أظهر يوم التحرير أن النظم الاستبدادية، مهما امتلكت من أدوات الإكراه، تظل قابلة للتفكك عندما ينهض الشعب للمطالبة بإعادة تنظيم علاقته بالسلطة على أسس واضحة ترتكز إلى المشاركة واحترام القانون، وصياغة بيئة سياسية تضمن إدارة الشأن العام بطريقة عادلة وتحفظ الحقوق وتحد من ممارسات التحكم والانفراد.
ثالثاً: الثورة ودورها في تغيير الوعي السياسي والاجتماعي:
أحدثت الثورة تحولاً جوهرياً في الوعي السياسي والاجتماعي، إذ أعادت رسم علاقة المواطن بالدولة بعد سنوات طويلة من الإقصاء وتقويض فرص المشاركة، فقد أسهمت في تفكيك منظومة الخوف التي حكمت الحياة العامة، وأعادت الاعتبار للمواطنة بوصفها ممارسة تقوم على المبادرة وتحمل المسؤولية، ومع توسّع المبادرات المدنية وظهور وسائل إعلام أكثر استقلالية، تبلور وعي جديد قائم على الحقوق والمساءلة والقدرة على التأثير في صياغة القرار العام، وجاء يوم التحرير الذي أعاد تعريف السياسة باعتبارها نشاطاً تشاركياً يهدف إلى تحقيق الصالح العام، لا مجرد علاقة هرمية تفرض من أعلى.
رابعاً: الدلالات الاقتصادية ليوم التحرير كمنطلق لعدالة اقتصادية مستدامة:
أبرز يوم التحرير الحاجة إلى إصلاح اقتصادي عميق يعالج آثار نموذج ريعي قائم على الامتيازات وشبكات الولاء، فقد أدى ذلك النموذج إلى تراجع الإنتاج، واتساع التفاوت الاجتماعي وارتفاع مستويات الفقر، وتظهر مرحلة ما بعد التحرير ضرورة بناء اقتصاد يقوم على الشفافية والعدالة في توزيع الموارد، وعلى ربط التنمية بمبدأ تكافؤ الفرص، إن هذا التحوّل ليس مجرد تحول نوعي، بل هو أساس لإعادة بناء العقد الاجتماعي، فمن دون إصلاح اقتصادي عادل، لا يمكن ترسيخ قيم المواطنة ولا ضمان استقرار سياسي واجتماعي طويل الأمد.
خامساً: إعادة بناء الشرعية الاجتماعية وصياغة عقد مدني جديد:
أدّى الاستبداد إلى تآكل الشرعية الاجتماعية، وانفصال الدولة عن المجتمع، وضعف الثقة بالمؤسسات، وتأتي مرحلة ما بعد التحرير بوصفها فرصة لإعادة بناء هذه الشرعية عبر العدالة الانتقالية، والمساءلة، وجبر الضرر، وصياغة علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الكرامة؛ فالشرعية لا تُنتج بالقانون فحسب، بل بتجديد الثقة، وإعادة الاعتبار لحقوق الإنسان، وتمكين المجتمع من المشاركة في صياغة السياسات، ويقتضي العقد المدني الجديد إعادة تفعيل المجال العام ليكون فضاءً للحوار لا للإقصاء، ورافعةً للمصلحة المشتركة لا لخدمة نخبة ضيقة.
سادساً: إعادة تموضع سوريا إقليمياً ودولياً:
فتح يوم التحرير مساراً جديداً لإعادة تموضع سوريا في محيطها الإقليمي والدولي، بعد سنوات طويلة شهدت تداخلات خارجية حدّت من قدرتها على اتخاذ قرار وطني حرّ، وقد أنجز هذا اليوم تحولًا نوعيًا أتاح الانتقال نحو صياغة سياسة خارجية تقوم على الاستقلالية والندية، وترتكز إلى بناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة بدل أنماط التبعية التي سادت سابقاً، واستعادت الدولة بذلك إمكانية بلورة دور إقليمي ودولي فاعل يشكّل عنصراً محوراً في عملية إعادة البناء الوطني، ويوفر لها القدرة على الانخراط المؤثر في محيطها وصياغة رؤيتها المستقبلية وفق اعتبارات سيادية خالصة.
سابعاً: بناء مؤسسات الدولة وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة:
فتح يوم التحرير أفقاً جديداً لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس تقوم على الكفاءة والشفافية والمساءلة، فالمؤسسات التي أضعفها الفساد واحتكار القرار تحتاج إلى إصلاح يرسّخ مبدأ الخدمة العامة، ويعزز استقلال القضاء، ويطوّر التشريعات بما يتوافق مع متطلبات الدولة الحديثة، إن هذه العملية ليست إدارية فقط، بل سياسية وأخلاقية، تسعى إلى وضع المواطن في مركز عمل الدولة، وإلى تحويل السلطة من وسيلة سيطرة إلى إطار يخدم الصالح العام ويحمي الحقوق.
ثامناً: تعزيز دور المجتمع المدني في ترسيخ ثقافة الحرية وإعادة بناء المجال العام:
تُمثّل مرحلة ما بعد التحرير فرصة لإعادة بناء المجال العام على أسس المشاركة والتعددية، وهو ما يجعل المجتمع المدني عنصرًا محوريًا في التحول الديمقراطي، إذ يساهم في تمثيل مصالح المواطنين، وتنظيم مشاركتهم، ودعم العدالة الانتقالية عبر توثيق الانتهاكات وبناء سردية وطنية شاملة، ولا يقتصر دوره على الجانب التنظيمي، بل يشمل ترسيخ قيم الحرية والمسؤولية والتضامن، وإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع بما يمنع عودة أنماط التحكم السلطوي.
تاسعاً: البعد الإنساني ودلالاته الأخلاقية في مسار التحرير:
يمثل يوم التحرير لحظة يتجلى فيها البعد الإنساني لهذه الثورة؛ ذ يعبّر عن قدرة الإنسان على مقاومة القهر واستعادة حقه في الحرية والكرامة، ويبرز هذا اليوم قيمة الكرامة بوصفها مرتكزاً إنسانياً جامعاً، ومعنى الحرية باعتبارها حقاً أصيلاً يُستعاد بالإرادة والوعي والمسؤولية، ومن هنا يكتسب يوم التحرير بُعداً أممياً، إذ يقدّم نموذجاً على قدرة الشعوب على مواجهة الظلم والتمسك بحقها في تقرير مصيرها، وهو يؤكد بأن بناء الدولة لا يستقيم إلا عندما تُصان كرامة الإنسان، وتُحترم حقوقه، ويُمنح الدور الذي يستحقه في رسم ملامح مستقبل وطنه.
ختاماً..
يشكّل يوم التحرير علامة فارقة في الوعي السوري لأنه جمع بين معنى الانعتاق ومعنى التأسيس، وتكشف تضحيات السوريين أنهم يستحقون دولة عادلة ومؤسسات نزيهة ونظامًا يضمن الكرامة، ولذلك يبقى هذا اليوم جزءاً من الذاكرة الحيّة للشعب، ومرجعاً أخلاقياً لمسار إعادة البناء على أسس الحرية والمساواة والمسؤولية.



































