إذا كان خريجو الجامعات يعانون أكثر البطالةَ، فلأن تكوينهم لا يستجيب لانتظارات سوق العمل. تلك الأزمة يرددها مسؤولون رسميون ورجال أعمال ومؤسسات بحثية في المغرب، غير أن اقتصاديين يرون أن هذا التفسير لا تسنده طبيعة الاقتصاد الذي لا يخلق ما يكفي من فرص العمل لتلك الفئة.
هذا ما تجلّى في المؤتمر الذي نظمته الجمعية المغربية للعلوم الاقتصادية، مساء أمس الخميس بالرباط، حيث جرى تأكيد أن “ربط اتساع دائرة البطالة بين خريجي الجامعات في المغرب بعدم ملاءمة تكوينهم لمتطلبات سوق العمل، لا يستقيم في ظل ارتفاع الطلب على اليد العاملة غير المؤهلة مقارنة بالكفاءات التي توفرها الجامعات”.
ويلاحظ الاقتصادي رضوان رؤوف، رئيس الجمعية المغربية للعلوم الاقتصادية، أن المغرب، على غرار مصر والأردن والعراق وتونس والجزائر، يأتي ضمن الدول العشر الأوائل في العالم التي تشهد مستويات مرتفعة لبطالة خريجي الجامعات.
ويسجل أنه في الوقت الذي يصل فيه معدل البطالة العام إلى حوالي 13% في المغرب، فإنه يقفز بين خريجي الجامعات إلى 25%، ويتراجع إلى 4% بين من لا يتوفرون على مؤهلات فنية.
وتعبّر الأسر عن مخاوفها من ضعف فرص العمل التي يوفرها الاقتصاد المغربي، إذ توقّعت 70.5% من الأسر في الربع الثالث من العام الجاري، بحسب بحث المندوبية السامية للتخطيط، ارتفاعاً في مستوى البطالة خلال الاثني عشر شهراً المقبلة.
وأعلنت الحكومة توجهها لتفعيل خريطة طريق خاصة بالشغل تهدف إلى تقليص معدل البطالة إلى 9 % في أفق عام 2030، وتوفير 1.45 مليون فرصة عمل جديدة، وهو هدف يبقى رهيناً بانتظام التساقطات المطرية بعد موجات الجفاف التي عرفتها المملكة في الأعوام الأخيرة.
وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد سجل أن حاملي الشهادات هم الأكثر عرضة للبطالة، إذ تصيب حوالي ربع خريجي الجامعات، وهي وضعية لا يسلم منها حتى خريجو معاهد التكوين الفني الذين تراوح نسبة البطالة في صفوفهم بين 21% و24% بحسب مستوى التأهيل.
ويشير المجلس في تقرير سابق إلى أن هذه البيانات تؤشر على أن المغرب لا يستفيد من موارده البشرية، ولا سيما فئة الشباب، ما يجعله لا يحقق الاستفادة الكاملة من امتيازه الديمغرافي، حيث لا يزال معدل النشاط في المغرب من أدنى المعدلات على المستوى العالمي.
ويرى رضوان رؤوف أن ارتفاع معدل البطالة وسط خريجي الجامعات بدأ ينفلت منذ عام 2010، بعدما كان قريباً من المعدل العام للبطالة في المغرب، معتبراً أن ذلك يؤشر على قصور في توظيف القدرات الإنتاجية المتوفرة.
ويؤكد أن مسؤولين حكوميين ومؤسسات بحثية وأرباب عمل دأبوا على الحديث، كلما أثير موضوع البطالة، عن عدم استجابة مؤهلات الخريجين لحاجيات سوق العمل، ما يجعلهم من أكثر الفئات عرضة للبطالة.
غير أن رؤوف يشير إلى أن الحديث عن عدم ملاءمة التكوين لحاجيات الشركات يدحضه ما تؤكده بعض المؤسسات التي ترى أن تكوين الخريجين لا يطرح مشكلات بالنسبة لها، بل إن الصعوبة تأتي من نقص المهارات.
ويشدد رؤوف على أن مستوى النمو الاقتصادي، الذي بلغ في المتوسط خلال العشرين عاماً الماضية حوالي 2 %، مقارنة ببلدان سجلت ما بين 5% و 6%، لا يساعد على استيعاب الخريجين.
وتؤكد العديد من التقارير أن معدل النمو الاقتصادي في المغرب لا يساعد على توفير فرص عمل كافية تستوعب جزءاً من الشباب، من مختلف الفئات، الذين يصل عددهم إلى سوق العمل سنوياً بنحو 300 ألف شخص.
ويرى رؤوف أن مستوى التعقيد الذي وصل إليه الاقتصاد المغربي، والمتسم بهيمنة الشركات الصغيرة والمتوسطة، يدفع إلى الاعتماد أكثر على اليد العاملة غير المؤهلة التي تمثل حوالي 80%.
وتدعم وضعية خريجي الجامعات ما يؤكده مراقبون من أن عدم استيعاب الاقتصاد الوطني لهم يؤدي إلى فقدان موارد بشرية مهمة، وهو ما يعكس تراجع مردودية التعليم.
ويعمد بعض الخريجين الحاصلين على شهادات جامعية عليا، لتفادي طول مدة البطالة، إلى قبول فرص عمل لا تتناسب مع مستوى تكوينهم، فيندرجون ضمن الفئة المصنفة في إطار الشغل الناقص.
وانتقد الاقتصادي رضوان الطويل، في مداخلته خلال المؤتمر، الدعوات التي يعبر عنها البعض لإدخال نوع من المرونة في سوق العمل عبر تليين التشريعات التي تراها الشركات صارمة في ما يتصل بالتشغيل.
وأوضح أن بعض الشركات في القطاع الرسمي اعتادت، في سياق سعيها إلى تجنب دفع أجور تتناسب مع الكفاءات التي تشغلها، على إنجاز بعض أعمالها بطريقة تدرجها ضمن القطاع غير الرسمي، ما يتيح لها الالتفاف على التشريعات، خاصة على مستوى الجباية.
ويؤكد الطويل أن الدعوة إلى المرونة في سوق العمل بهدف توفير فرص عمل أكثر، لن تؤدي إلى الخروج من فخ النمو الهش، لأنها ترسّخ ضعف الإنتاجية بدل معالجته.
المصدر: العربي الجديد



































