ترى المعالجة النفسية السويسرية إليزابيث كوبلر- روس أن هناك خمس مراحل للحزن، لكن لم يعد أحدٌ يملك القدرة على التركيز على كل ذلك، لذلك، قفزنا من المرحلة الأولى، الإنكار – «لا وجود لفقاعة ذكاء اصطناعي»، إلى المرحلة الخامسة، القبول – «الذكاء الاصطناعي فقاعة، والفقاعات رائعة».
وتم بالفعل طرح فرضية «الفقاعات رائعة» في عدد من الكتابات الشعبية والأكاديمية، لكن كان من الصعب تجاهل الأمر عندما تحدث جيف بيزوس، أحد أغنى أغنياء العالم، عن ضرورة التمييز بين الفقاعات المالية «السيئة» والفقاعات الصناعية «الأقل سوءاً، وربما الجيدة».
ففي النهاية، بيزوس هذا هو الشخص نفسه الذي نجح في بناء إحدى أعظم شركات القرن الحادي والعشرين، أمازون، وسط فقاعة حوّلت شركات معاصرة لها مثل «ويبفان» و«بيتس. كوم» إلى مجرد نكتة.
وسيجد رواد الأعمال والمخترعون الذين يُخاطرون سريعاً رواد أعمال ومخترعين آخرين ينافسونهم، ولن تعود معظم الفوائد على أيٍّ منهم، بل على عملائهم. وتعرف هذه الديناميكية باسم «مغالطة الخيميائي»،.
حيث إنه إذا اكتشف أحدهم كيفية تحويل الرصاص إلى ذهب، فسرعان ما سيعرف الجميع كيفية تحويل الرصاص إلى ذهب، لكن كم ستكون قيمة الذهب حينها؟
وحاول الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، ويليام نوردهاوس، ذات مرة تقدير حصة الشركات المالكة للأفكار الجديدة من قيمة الأفكار، وحصة كل فرد آخر – معظمهم من المستهلكين.
وخلص إلى أن الإجابة – في الولايات المتحدة، بين عامي 1948 و2001 – كانت الحصة 3.7% للشركات المبتكرة، و96.3% للآخرين جميعهم. بعبارة أخرى، كانت الفوائد غير المباشرة أكبر بستة وعشرين ضعفاً من الأرباح الخاصة المباشرة.
وهكذا، فإنه إذا وزعت فوائد الذكاء الاصطناعي بشكل مماثل، فسيكون هناك مجال واسع لاستثمارات الذكاء الاصطناعي لتكون مفيدة اجتماعياً بينما يمكن أن تكون رهانات كارثية للمستثمرين.
والمثال التاريخي الذي يُذكر مراراً وتكراراً في هذا السياق هو فقاعة السكك الحديدية، فقد تحمس المستثمرون البريطانيون بشدة للسكك الحديدية في أربعينيات القرن التاسع عشر، لتهبط أسعار الأسهم بعد ذلك إلى مستويات كارثية وخسر بعض المستثمرين كل ما لديهم حرفياً، ولكن في النهاية، خمن ماذا حدث؟ كان لدينا سكك حديدية يستفيد منها الجميع.
لكن هل ينبغي لنا أن نصف ما حدث بهذه الطريقة؟ لذلك، تواصلتُ مع بعض مؤرخي الفقاعات: ويليام كوين وجون د. تيرنر، مؤلفا كتاب «الازدهار والكساد: تاريخ عالمي للفقاعات المالية»، وأندرو أودليزكو، عالم الرياضيات الذي أجرى أيضاً أبحاثاً معمقة حول هوس السكك الحديدية. وتبين لي أنهم كانوا أقل تفاؤلاً.
وقال كوين: «تمويل السكك الحديدية من خلال فقاعة، بدلاً من التخطيط المركزي (كما كانت الحال في معظم أنحاء أوروبا)، ترك بريطانيا بشبكة سكك حديدية مصممة بشكل غير فعال للغاية. وهو ما تسبب في مشاكل لا تزال قائمة حتى يومنا هذا».
وهناك بالفعل عدة تعريفات محتملة للفقاعة، لكن التعريفين الأكثر وضوحاً هما إما أن سعر الأصول المالية يصبح منفصلًا عن القيم الأساسية، أو أن الاستثمارات تُجرى بناءً على سيكولوجية الجماهير – من قِبل أشخاص يخشون تفويت الفرصة، أو يأملون في التخلي عن رهاناتهم لشخص أحمق. وعلى أية حال، لماذا يتوقع أي شخص أن تكون الاستثمارات التي تُجرى في سياق كهذا قريبة من المرغوب اجتماعياً؟
وكما ذكرت مجلة إدنبره ريفيو: «نادراً ما يوجد خط سكة حديد عملي بين مكانين كبيرين، مهما بعدتا المسافة، لم تشغله شركة. وكثيراً ما بدأ تشغيل خطين أو ثلاثة أو أربعة خطوط متنافسة في وقت واحد».
ولم تكن مجلة إدنبرة ريفيو تكتب في أربعينيات القرن التاسع عشر، بل كانت تصف فقاعة السكك الحديدية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، التي شهدت أيام مجدها ترويج البعض للقطارات الشراعية وحتى القاطرات الصاروخية التي تسافر بسرعة مئات الأميال في الساعة.
وعموماً، فإن الدرس الأوضح من هوس السكك الحديدية ليس أن الفقاعات جيدة، بل أن ينابيع الأمل لدى البعض أبدية ولا تنضب بالمرة. كما أن المستثمرين الجشعين لا يتعلمون أبداً.
والدرس المهم الآخر من دروس هوس السكك الحديدية هو أنه عندما تكون مبالغ طائلة من المال على المحك، سرعان ما يتلاشى الخط الفاصل بين التجارة والسياسة، وكذلك الخط الفاصل بين المبالغة والاحتيال الصريح.
ويُعدّ جورج هدسون، «ملك السكك الحديدية»، مثالاً يُحتذى به. فقد وُلد لعائلة زراعية متواضعة في يوركشاير عام 1800، وورث ثروة من عمه الأكبر في ظروف غامضة، ثم بنى إمبراطورية من شركات السكك الحديدية القابضة، بما في ذلك أربع من أكبر الشركات في بريطانيا.
وشغل منصب عمدة يورك لسنوات عديدة، وكان عضواً في البرلمان في ويستمنستر. فهل تتشابك الأعمال والسياسة بشكل لا ينفصم؟ أمرٌ لا يُصدق! ويُعلق ويليام جيه بيرنشتاين، مؤرخ آخر للفقاعة، على هدسون قائلاً: «أقرب مُعادل حديث هو رئيس مجلس إدارة جولدمان ساكس وهو عضو في مجلس الشيوخ الأمريكي في الوقت نفسه».
وهدسون، للأسف، ليس رجلاً يُحتذى به. فقد حافظ على وضع مالي جيد من خلال دفع مبالغ أشبه بمخططات بونزي، ممولًا أرباح المساهمين الحاليين من رأس المال الجديد، واحتال على زملائه المساهمين من خلال حثّ الشركات التي يسيطر عليها على شراء أسهمه الشخصية بأسعار أعلى من السوق.
في النهاية، ولم ينجُ من الإفلاس إلا من خلال استغلال القاعدة التي تنص على عدم جواز اعتقال أعضاء البرلمان بسبب ديون غير مسددة أثناء انعقاد مجلس العموم. وهرب في النهاية إلى المنفى في فرنسا.
وهناك من يشعر ببعض الراحة من الملاحظة التي تقول بأنه عندما تبتعد البنوك عن الفقاعة، فإن انفجارها يكون له آثار محدودة. وكان هذا صحيحاً بالفعل في أربعينيات القرن التاسع عشر، وربما سيظل صحيحاً اليوم.
تيم هارفورد
المصدر: فايننشال تايمز