العالم الاقتصادي ـ رصد
في ظل سنوات الحرب الطويلة التي أنهكت المجتمع السوري، ومع التحديات المناخية التي تجسدت هذا العام بجفاف قاسٍ وانخفاض حاد في كميات الأمطار، برز العمل الشعبي كأداة إنقاذ وركيزة أساسية لاستمرار الحياة في القرى والأرياف.
فالماء- باعتباره شريان الحياة- بات من أكثر الملفات إلحاحاً، ومع محدودية إمكانات الدولة وتضرر البنية التحتية، لم يجد الأهالي سوى التعاون فيما بينهم لتأمينه، عبر مبادرات محلية أثبتت أن روح التضامن أقوى من الأزمات.
في هذا التحقيق الصحفي نسلط الضوء على أهم تلك المبادرات وفوائدها على جميع الأصعدة. مبادرات شعبية من دير ماما إلى قيرون، وعنبورة، وصولاً إلى جب رملة، والقريات، وموس الحولة، وغيرها من مدن حماة ظهرت مبادرات لتركيب منظومات طاقة شمسية لتشغيل آبار المياه.
هذه المشاريع لم تكن حكراً على المؤسسات الحكومية أو المنظمات الدولية، بل كانت ثمرة شراكة بين الأهالي والمغتربين والمتبرعين، حيث تكاتف الجميع لتأمين التمويل والعمل والتنفيذ. الطاقة الشمسية التي اعتمدت عليها هذه القرى لم تكن مجرد حل تقني، بل شكلت نقلة نوعية في التفكير الشعبي نحو الاستدامة وتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي والمولدات باهظة التكاليف. كانت البداية من بلدة “دير ماما” التي تقع في منطقة مصياف بريف المحافظة الغربي، ويقطنها نحو 20 ألف نسمة.
أحمد صارم، من أهالي البلدة قال لـ”الثورة”: إنهم عانوا من عدم وصول مياه الشرب إلى منازلهم لفترة تزيد على 18 يوماً، وذلك بسبب ضعف ضخ المياه.
رئيس مجلس بلدة دير ماما، المهندس علاء شحود، أوضح أن منظومة الطاقة الشمسية التي تغذي البئر بالكهرباء هي نتاج عمل تطوعي، بدعم من منظمة اليونيسيف العالمية، ومشاركة شعبية ومن بعض المتبرعين، ومن مغتربين وتجار.
من جانبه بيّن المسؤول عن توزيع مياه الشرب عماد حسن، أن هناك نحو 1350 مشتركاً في البلدة، تتم تغذيتهم عبر بئر مياه واحد وبغزارة 70 م3 في الساعة، إذ تم توزيع البلدة إلى 3 مناطق ويستغرق دور المياه ما بين 3 و4 أيام، لافتاً إلى أن منظومة الطاقة الشمسية المؤلفة من 107 ألواح مع تجهيزاتها تعاني من بعض التوقفات، والأعطال أحياناً وخاصة في الآونة الأخيرة، ما أثر بشكل كبير على ضخ المياه.
وبين المهندس ياسر سلوم أن التوقفات الطارئة للمنظومة نتيجة الظروف الجوية تؤثر على ضعف ضخ المياه، إضافة إلى كثرة التعديات على خطوط المياه، واستخدامها لأغراض ري المزروعات، مع العلم أن شبكة المياه قديمة، وتعاني من اهتراء في قسم منها.
مبادرة قيرون وعنبورة
رئيس مجلس بلدة عنبورة وقيرون شمال مصياف أحمد مطر، كشف عن مبادرة بالتعاون مع المجتمع الأهلي والمؤسسة العامة لمياه الشرب، تتضمن تجهيز بئر لمياه الشرب، تم تزويده بالمعدات والتجهيزات الفنية اللازمة، إلى جانب رفده بمنظومة طاقة شمسية مؤلفة من 60 لوحاً مع تجهيزاتها لضمان استمرارية التشغيل، والاعتماد على مصادر الطاقة المستدامة. ولفت إلى أن العمل جار، بالتنسيق مع المؤسسة العامة للمياه، ووحدة مياه مصياف لتمديد الخطوط، ولربط البئر بالشبكة الرئيسة مباشرة بعد تزويدها بكل الصمامات والملحقات الضرورية لتأمين تدفق المياه بشكل منتظم وآمن، مشيراً إلى أن تشغيل البئر تم بعد جفاف الينابيع التي كان يعتمد عليها السكان، ما سينعكس بشكل مباشر على تحسين واقع مياه الشرب في القريتين من خلال زيادة ساعات الضخ، وتقليص فترات التزويد، إذ يُقدّر عدد المستفيدين منه بنحو 6000 نسمة.
جب رملة لاحقاً
لم تكن دير ماما، وقيرون، وعنبورة، القرى الوحيدة التي سارع أهلها للقيام بمبادرات شعبية، بل لحقت بها بلدة جب رملة الواقعة في ريف حماة الشمالي، وأكد رئيس مجلس بلدة جب رملة المهندس علاء عثمان، تنفيذ مبادرة مجتمعية لتركيب منظومة طاقة شمسية بديلة لبئر المياه الرئيسية في البلدة، وذلك بعد إعداد الدراسات والموافقات، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمحافظة حماة ومؤسسة المياه، مبيناً أن المنظومة تضم 100 لوح وانفرتر وجميع التجهيزات، بالإضافة لغاطس باستطاعة 50 حصاناً بهدف ضمان استمرارية تشغيلها لأطول فترة ممكنة، وخاصة في ظل انقطاع التيار الكهربائي المتكرر وارتفاع تكاليف تشغيل المولدات.
من جانبه، بين مختار البلدة بسام سليمان إبراهيم، أن بئر المياه تغذي نحو 12 ألف نسمة في البلدة وفي قرية قرين، لافتاً إلى أن هناك مبادرات أهلية من الفعاليات المجتمعية لتأمين المحروقات اللازمة لتشغيل مولدة بئر مياه الشرب من أجل استمرار توزيع دور المياه كل يومين.
وفي كنفو والجليمة
فيما كشف رئيس مجلس بلدة القريات، وليام إسماعيل، عن مبادرة أهلية للفعاليات الأهلية والاجتماعية في البلدات والقرى التي تتبع لعمل المجلس، في كل من الجليمة، وكنفو، وخان جليمدون، والمشتى، وقسم من المحروسة لمعالجة مشكلة مياه الشرب وتخفيف معاناة الأهالي في ظل شح كميات المياه الواردة للأحياء، ولاسيما بعد أعطال متكررة أصابت تجهيزات الضخ من البئر الذي خرج عن الخدمة، مبيناً أن هناك لجنة من العمل الشعبي ستقوم بالتنسيق مع الجهات المعنية ومؤسسة مياه الشرب لجمع التبرعات لتنفيذ أعمال صيانة لتجهيزات الضخ واستبدال المتضرر منها.
وأكد مختار قرية كنفو محمد علي محمد أن هذه المعاناة مستمرة منذ ثلاثة أشهر ويعاني منها نحو 12 ألف نسمة في تلك القرى والبلدات، مشدداً على ضرورة قيام لجان من مؤسسة مياه الشرب بقمع التعديات على خطوط مياه الشرب وتوزيعها بعدالة بين المواطنين وفق برنامج زمني مناسب.
حماة تنبض من جديد
كما سارعت العديد من القرى وحذت حذو القرى التي ذكرناها، وتم تنفيذ أعمال تركيب قواعد الحديد في قريتي موس الحولة، والموعة، تمهيداً لتركيب منظومة طاقة شمسية لتشغيل بئر المياه، وذلك ضمن مبادرة “حماة تنبض من جديد” بجهود شعبية من أهالي القريتين.
وأكد أهالي موس الحولة أن هذا المشروع يهدف إلى تعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة وتحسين واقع مياه الشرب، بما يدعم الاستقرار الخدمي والمعيشي في المنطقة.
كما تم تدشين مشروع الطاقة الشمسية في قرية النهضة جنوب مدينة مصياف بحضور مدير منطقة مصياف ومدير مؤسسة المياه، ورئيس بلدة الفندارة، وعدد من وجهاء قرى النهضة والشميسة والقبو. وجاء هذا التدشين تتويجاً لجهود شعبية وجماعية وأهلية بهدف تأمين طاقة شمسية مستدامة لضخ المياه في القرية، وعبر الحضور خلال الكلمات التي أُلقيت خلال التدشين عن أهمية المشروع في تحسين وضع المياه في القرية.
وأثنى مدير المنطقة على العمل الشعبي والتعاون الموجود بين المجتمع المحلي ومؤسسة المياه ويتواصل تنفيذ مشاريع منظومات الطاقة الشمسية في أرياف حماة، إذ تم تنفيذ مشروع في بلدة حر بنفسه، جنوب مدينة حماة بجهود شعبية ورعاية من مديرية المنطقة، وإشراف مباشر من مؤسسة المياه.
وتجاوزت نسبة الإنجاز 70 بالمئة حتى الآن، وسط متابعة دقيقة لضمان استكمال المشروع وتحقيق أقصى استفادة منه لخدمة الأهالي وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة.
كذلك تم الانتهاء من تركيب منظومة طاقة شمسية تهدف لتشغيل البئر المغذي لشبكة مياه الشرب في قرية طلف، جنوب مدينة حماة، وذلك بجهود مشتركة بين الجهات الحكومية وتعاون المجتمع المحلي، وبالتنسيق مع محافظة حماة، وإدارة المنطقة، ومؤسسة المياه لتجاوز أزمة المياه.
تعزيز الانتماء المجتمعي
هذه المبادرات لم توفر المياه فقط، بل عززت أيضاً روح الانتماء والمسؤولية المشتركة، فالقرى التي تعاونت لإنجاز مشاريعها، نجحت في خلق بيئة من التضامن والتشارك بين الأهالي، الأمر الذي انعكس على تماسك المجتمع المحلي، وأعاد الثقة بقدرة الناس على صنع التغيير بأيديهم. فالعمل الشعبي لم يتوقف عند حدود تأمين مياه الشرب، بل أسهم في دعم الاستقرار المعيشي، فوجود مصادر مضمونة للمياه يخفف من الهجرة الداخلية، ويعزز صمود الأهالي في مناطقهم، ويخفف الأعباء الاقتصادية عبر تقليص الحاجة للمحروقات أو شراء صهاريج المياه، كما أنه إحياء لقيم التضامن، إذ يتشارك الناس همومهم وحلولهم.
المصدر : الثورة



































