ضغطة زر أصبحت تفصل اليوم بين ملايين البشر وفرص عمل تمتد عبر القارات، بلا مكاتب، ولا عقود دائمة، ولا ساعات ثابتة، فلم يعد سوق العمل العالمي مؤخراً يعتمد على الشكل المعتاد للوظيفة.
وتحولت منصات العمل الحر إلى سوق موازٍ يعيد تعريف معنى الدخل، والاستقرار، والطبقة الوسطى، وفي ظل هذا المفهوم الجديد، استطاع بعض الأفراد الصعود بسرعة، محققاً دخلاً يفوق ما كانت توفره الوظائف التقليدية، مستفيداً من سوق مفتوح بلا حدود.

وفي غضون سنوات قليلة، أصبحت منصات رقمية مثل أب وورك وفايفر وفريلانسر دوت كوم من أدوات مساعدة للشركات إلى بنية أساسية لسوق العمل العالمي، يعمل عبرها مئات الملايين من الأفراد دون عقود دائمة، أو تأمين اجتماعي، أو مسار وظيفي تقليدي.
البعض يرى في هذا التحول فرصة تاريخية لخلق طبقة وسطى عابرة للحدود، تعتمد على المهارة لا الجغرافيا، وعلى الكفاءة لا الانتماء المؤسسي، وآخرون يرون فيه اقتصاداً هشاً، ينقل المخاطر من الشركات إلى الأفراد، ويحوّل الاستقلالية إلى عبء طويل الأمد.
هذا التباين يطرح تساؤلات عميقة: هل تُسهم منصات العمل الحر فعلًا في خلق طبقة وسطى مزدهرة تتمتع بالاستقرار المالي؟ أم أنها تساهم في تكوين شريحة اقتصادية هشة، عرضة لتقلبات الدخل وغياب الحماية الاجتماعية؟
صعود منصات العمل الحر
لم تعد منصات العمل الحر مجرد أسواق رقمية محدودة، بل أصبحت مكوناً مؤثراً في الاقتصاد العالمي، ففي عام 2025، قُدّر عدد العاملين المستقلين عالمياً بنحو 1.57 مليار شخص.

هذا الرقم يمثل قرابة 47% من إجمالي القوى العاملة العالمية البالغ عددها حوالي 3.38 مليار شخص، هذا التحول يعكس تغيراً هيكلياً في أنماط التوظيف، مدفوعًا بالتكنولوجيا والعمل عن بُعد وتسارع العولمة.
أما الاقتصاد الأوسع لما يُعرف باقتصاد العمل المؤقت، الذي يشمل منصات العمل الحر وخدمات الطلب الفوري مثل النقل والتوصيل، فقد بلغت قيمته نحو 582 مليار دولار في 2025، بحسب بيانات جلوبال جروث إنسايتس.
وتتوقع التقديرات ارتفاعه إلى 2.17 تريليون دولار بحلول 2034، بمعدل نمو يبلغ حوالي 15.8%.
وضمن هذا الإطار، يُتوقع أن يصل حجم سوق منصات العمل الحر وحدها إلى 24.2 مليار دولار أمريكي بحلول 2030، مقارنة بنحو سبعة مليارات دولار في 2025، بحسب جراند فيو ريسرش.
وتعكس أرقام المنصات الكبرى هذا التوسع حيث استضافت منصة أب وورك أكثر من 18 مليون مستقل من أكثر من 180 دولة، مع ما يقرب من 796 ألف عميل نشط حيث بلغ حجم قيمة الخدمات المتداولة عبرها أكثر من 4 مليارات دولار سنويًا.
أما فايفر، فقد سجلت أكثر من 3.6 مليون مشترٍ نشط، مع تنفيذ أكثر من 3 ملايين مهمة سنوياً عبر أكثر من 100 فئة خدمية.
الجانب المظلم من المنصات
أتاحت المنصات فرصًا حقيقية للمحترفين ذوي المهارات العالية حيث يصل متوسط الأجر بالساعة على منصة أب وورك لنحو 39 دولاراً أمريكياً، بينما تمكن بعض المستقلين المتميزين من تحقيق أرباح تراكمية تتجاوز مليون دولار عبر مشاريع متعددة.
وفي الولايات المتحدة وحدها، بلغ إجمالي دخل العاملين المستقلين نحو 1.5 تريليون دولار في 2024، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول متوسطة الدخل.
كما تشير البيانات إلى أن 52% من جيل زد (Gen Z) مارسوا العمل الحر، وهو ما يعكس تحولاً ثقافيًا في النظرة إلى العمل، حيث لم يعد المسار الوظيفي التقليدي الخيار الوحيد.
وبالفعل يحقق العديد من العاملين عبر منصات العمل الحر دخلاً جيداً يجعلهم ضمن الطبقة الوسطى.
وتُعرّف الطبقة الوسطى اقتصادياً بأنها الشريحة القادرة على تحقيق دخل مستقر يغطي الاحتياجات الأساسية ويوفر هامشاً للادخار والاستثمار والتعليم والرعاية الصحية دون الاعتماد على دعم خارجي.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل، فجزء كبير من الأعمال المطروحة عبارة عن مهام صغيرة منخفضة الأجر، مع منافسة شديدة بين عدد كبير من المستقلين.
وتفرض المنصات رسوماً تتراوح بين 5 و20% على المعاملات، ما قد يقلص صافي دخل العاملين، خاصة في الأسواق منخفضة الأجور.
إضافة إلى ذلك، فإن الطبيعة العالمية لهذه المنصات قد تضغط على الأسعار، إذ يميل بعض العملاء إلى اختيار العروض الأقل تكلفة من دول ذات مستويات دخل منخفضة، ما يخلق سباقًا نحو الحد الأدنى من الأجور في بعض الفئات المهنية.
والأهم من ذلك أن العمل الحر غالباً ما يفتقر إلى المزايا التقليدية مثل التأمين الصحي، ومعاشات التقاعد، وحماية البطالة.
وقد أشارت تقارير البنك الدولي إلى أن غياب شبكات الأمان الاجتماعي يمثل تحدياً جوهرياً للعاملين عبر المنصات الرقمية، خصوصًا في الدول النامية.
تلك التحديات تطرح سؤلاً جوهرياً حول استدامة الانتماء إلى الطبقة الوسطى عبر العمل الحر: فالدخل المرتفع في شهر ما لا يعني بالضرورة استقراراً طويل الأمد.
|
بيانات سوق العمل الحر والأداء المالي للمستقلين في الولايات المتحدة (2024‑2025): |
|||
|
المؤشر |
|
القيمة |
الملاحظة |
|
متوسط الدخل السنوي لفريلانسر في الولايات المتحدة (2024) |
|
85 ألف دولار أمريكي |
أعلى من موظف بدوام كامل |
|
عدد الأميركيين العاملين بشكل مستقل (2025) |
|
72.9 مليون شخص |
نحو 45% من قوة العمل الأمريكية |
|
عدد المستقلين الأمريكيين الذين يكسبون أكثر من 100 ألف دولار سنويًا (2025) |
|
5.6 مليون شخص |
بزيادة 19% عن 2024 و86% عن 2020 |
|
متوسط الأجر بالساعة للمستقلين الأمريكيين (2025) |
|
47.7 دولار أمريكي |
يشمل نطاقًا واسعًا من المهارات |
|
متوسط أجر الساعة على منصة أب وورك (2025) |
|
39 دولار أمريكي |
قد يزيد مع مشاريع الذكاء الاصطناعي |
وفي غياب عقود مستقرة أو مظلة تأمينية، يتحول المستقل إلى جهة تتحمل بمفردها مخاطر السوق وتقلباته، من تراجع الطلب إلى تغيّـر سياسات المنصة نفسها.
بمعنى آخر، قد ينجح بعض المستقلين في دخول الطبقة الوسطى من حيث مستوى الدخل، لكن التحدي الحقيقي يكمن في البقاء داخلها.
فالانتقال إلى هذه الشريحة ممكن، أما ترسيخ موقع مستقر فيها فيظل مرهونًا بعوامل تتجاوز المهارة الفردية، لتشمل البيئة التنظيمية، وتكلفة المعيشة، وإمكانية الادخار طويل المدى.
وهنا يتضح أن منصات العمل الحر قد تفتح باب الصعود الاجتماعي، لكنها لا تضمن بالضرورة استمراريته.
مستقبل المنصات.. توسع أم إعادة تنظيم؟
تشير التوقعات إلى أن سوق منصات العمل الحر قد يقترب من الضعف بحلول 2035، مدفوعًا بتزايد اعتماد الشركات على المواهب الرقمية.

واستعانت نحو 48% من الشركات المدرجة بقائمة فورتشن 500 بالمواهب المستقلة ضمن استراتيجياتها، وهو اتجاه مرشح للتوسع بحلول 2030.
كما تشير التقديرات إلى أن نسبة العاملين المستقلين في الولايات المتحدة قد تتجاوز 50% من القوة العاملة بحلول 2027.
لكن المستقبل لا يخلو من التحديات، فالتطورات في مجال الذكاء الاصطناعي قد تعزز إنتاجية المستقلين، لكنها في الوقت ذاته قد تستبدل بعض المهام الروتينية وتفرض مهارات جديدة.
كذلك، تتزايد الضغوط التنظيمية في بعض الدول لإعادة تصنيف العاملين عبر المنصات ومنحهم حقوقًا أوسع، هذه التطورات قد تعيد تشكيل نموذج العمل الحر بالكامل.
تشير الأرقام الحالية إلى أن منصات العمل الحر تمكنت من إعادة رسم خريطة سوق العمل العالمي، فقد وفرت فرصاً عابرة للحدود، ومكنت ملايين الأفراد من تحقيق دخل مستقل، وساهمت في تحفيز مرونة اقتصادية غير مسبوقة.
ومع ذلك، فإن هذه الطفرة تحمل وجهين فبينما يحقق البعض دخلاً مرتفعاً واستقلالية مهنية، يواجه آخرون دخلاً متقلباً وضغطاً تنافسياً وغياباً للحماية الاجتماعية.
وإذا كانت استدامة الطبقة الوسطى تعتمد تاريخيًا على الاستقرار المؤسسي فإن التحول الجاري قد يدفع إلى إعادة تعريف هذا المفهوم نفسه.
فمع توسع العمل القائم على المهارة الرقمية والاقتصاد المعرفي، قد يصبح معيار الانتماء إلى الطبقة الوسطى أقل ارتباطاً بنوع العقد الوظيفي، وأكثر ارتباطاً بقدرة الفرد على تنويع مصادر دخله، وبناء سمعته المهنية عبر المنصات، وتطوير مهارات للتكيف مع التطورات.
غير أن ترسيخ هذا النموذج يتطلب بيئة تنظيمية تضمن الشفافية، وتسهّل الوصول إلى التأمين والادخار، وتمنح العاملين الاستقرار الكافي للتخطيط طويل الأجل.
وخلال الأعوام المقبلة إما أن تتحول منصات العمل الحر إلى رافعة لاقتصاد أكثر شمولاً يدعم الطبقة الوسطى، أو نموذجاً مرناً لكنه لن يتحول إلى قاعدة صلبة لاستقرار اقتصادي طويل الأمد.
المصادر: أرقام- بيزنس ريسرش انسايتس- كابيتال كونسلور- إل إل سي بودي- أسوشيتدبرس- صحيفة ذا جارديان- بلاتفورم أكسكيوتف



































