في مرحلة تحتاج فيها سوريا إلى إعادة بناء منظومة العمل المؤسسي؛ على أسس واضحة؛ ومعايير قابلة للقياس، يبرز ملف الجودة كمدخل أساسي لـ: ضبط الأداء، وتعزيز القدرة التنافسية، فالأسواق لا تستعيد ثقتها بالشعارات، بل بالأنظمة والمعايير القادرة على إنتاج قيمة حقيقية ومستدامة.
ضمن هذا السياق، أطلقت مجموعة EMBS-Group في قاعة المتحف بجامعة دمشق “نادي الجودة – Quality Talk” كأول منصة مستقلة؛ تُعنى بالحوار بشأن مفاهيم الجودة وصناعة القرار، بمشاركة ممثلين عن وزارات وجهات عامة وخاصة، إضافة إلى منظمات عربية ودولية عاملة في سوريا.
“الزراعة”: الجودة جزء من التخطيط وليست إجراءً شكلياً
وعلى هامش الإطلاق؛ أكد مدير التخطيط في وزارة الزراعة الدكتور سعيد إبراهيم في تصريح خاص لـ ” العالم الاقتصادي” أن الوزارة أدرجت مفهوم الجودة كعنصر رئيس ضمن خططها وبرامجها، باعتباره مدخلاً لتعزيز القدرة التنافسية للقطاع الزراعي ورفع كفاءته الإنتاجية وقال: “أدرجنا مفهوم الجودة كعنصر رئيس ضمن خطط الوزارة وبرامجها المختلفة، لأن جودة المنتج وسلامته ومطابقته للمواصفات المعتمدة تشكل الأساس الحقيقي لتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق المحلية وأسواق التصدير، نحن لا نتعامل مع الجودة كإجراء شكلي، بل كمنظومة متكاملة؛ تبدأ من الحقل؛ ولا تنتهي عند المستهلك”.
وأضاف: “نعمل على تطوير كامل سلسلة القيمة الزراعية، من الإنتاج الأولي إلى التصنيع والتسويق؛ بما يحدّ من الفاقد؛ ويرفع كفاءة استخدام الموارد؛ ويعزز فرص النفاذ إلى الأسواق الخارجية، كما ننسق مع الوزارات المعنية والغرف الزراعية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية لتعميم ثقافة الجودة على نطاق أوسع”.
وأشار إلى أن وزير الزراعة يولي هذا الملف أولويةً خاصةً، كاشفاً عن التحضير لعقد جلسة حوارية متخصصة ضمن “نادي الجودة”؛ تجمع خبراء القطاع الزراعي لصياغة توصيات عملية قابلة للتطبيق.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في النظرة إلى الجودة من كونها متطلباً تنظيمياً إلى اعتبارها أداةً اقتصاديةً لـ: تحسين الإنتاجية، تعزيز القيمة المضافة، خصوصاً في قطاع يُعد أحد الأعمدة الأساسية في: دعم الأمن الغذائي، وتنشيط الدورة الاقتصادية.
منصة حوار مستقلة لا جهة رقابية
مديرة مجموعة EMBS_Group المهندسة إسراء حمدان أوضحت أن النادي يمثل خطوةً استراتيجيةً غير مسبوقة، لكونه أول منصة مستقلة في سوريا تُعنى بالحوار بشأن مفاهيم الجودة وصناعة القرار؛ بعيداً عن أي دور رقابي أو تفتيشي.
وأكدت خلال الاحتفالية أن الهدف يتمثل في إنشاء مساحة مهنية جامعة؛ تجمع خبراء من مختلف القطاعات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني، لصياغة فهم مشترك لمعايير الجودة، مستلهمةً تجارب دول استطاعت بناء منظومات جودة متقدمة بعد فترات أزمات.
وأضافت أن إطلاق النادي جاء كمخرج عملي لمؤتمر “سوريا تستحق”، مشيرة إلى وجود اهتمام ودعم من جهات دولية أبدت استعدادها لمساندة المبادرة.
جامعة دمشق.. تأصيل أكاديمي لمفهوم الجودة
ومن جهتها أكدت نائبة رئيس جامعة دمشق للشؤون العلمية الدكتورة عهد أبي يونس، اهتمام الجامعة بـ: تعزيز مفاهيم الجودة، ودمجها ضمن المناهج التعليمية، مشددة على أن الجودة عنصر أساسي في: تطوير الأداء الإداري، رفع الكفاءة، وتعزيز التنمية الاقتصادية.
من جهته، أوضح عميد كلية الهندسة الزراعية الدكتور خالد العسس أن النادي يشكل جسراً فاعلاً بين المؤسسات التعليمية والجهات الحكومية والقطاعين العام والخاص، ويسهم في إعداد كوادر تمتلك المعرفة بالمعايير الدولية وتطبيقاتها العملية.
دعم عربي ومؤسساتي
مدير حاضنة أعمال “أكساد” المهندس محمد سعود أشار إلى أن مشاركة المنظمة تأتي في إطار دعم تطبيق مفاهيم الجودة عملياً في القطاع الزراعي، مستندة إلى خبرة طويلة في مجال البحوث الزراعية التطبيقية والتنمية المستدامة.
وأكد أن الجودة لم تعد خياراً، بل ضرورة تفرضها متطلبات السوق والمعايير الحديثة، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.
القطاع الخاص: الجودة مدخل للثقة
رئيس مجلس إدارة مجموعة عمر الطيب القابضة الأستاذ مصعب عمر الطيب اعتبر أن إطلاق نادي الجودة يمثل خطوةً مهمةً للصناعيين والتجار، مؤكداً أن الالتزام بمعايير الجودة يعزز الثقة والمصداقية في المنتج السوري، لاسيما في قطاعات مواد البناء والزراعة والصناعة.
كما شدد ممثل شركة نيوبارك للصناعات الغذائية على أن الجودة مسار مستمر لتطوير الأداء، مشيراً إلى أهمية انسجام مبادرات القطاع الخاص مع سياسات القطاع العام لضمان تكامل الجهود.
حوار مفتوح وخطوات تنفيذية
وشهدت الفعالية حواراً مفتوحاً بين المشاركين ناقش محددات الجودة وآليات نجاح تطبيقها، إضافة إلى البنية التنظيمية للنادي وخطط عقد جلسات قطاعية متخصصة تهدف إلى صياغة توصيات علمية قابلة للتطبيق، بما ينسجم مع أفضل التجارب العالمية.
ويعكس إطلاق “نادي الجودة” توجهاً نحو بناء بيئة مؤسساتية أكثر انضباطاً ووضوحاً في معايير الأداء، ويبقى نجاح المبادرة مرهوناً بقدرتها على تحويل النقاشات المهنية إلى سياسات وإجراءات عملية؛ تعزز كفاءة القطاعات الإنتاجية؛ وتدعم مسار التعافي الاقتصادي على أسس أكثر استدامة.



































