تُلقي تطورات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بظلالها على واقع تخطيط المدن، وشهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحوّلاً جذرياً في مفهوم التخطيط الحضري، إذ توسّعت المدن من تجمّع سكاني تحكمه شبكات تقليدية من الخدمات، إلى منظومة رقمية متكاملة تُدار بالبيانات والتقنيات الحديثة.
وتعتمد المدن الذكية على تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، وأنظمة تحليل البيانات الضخمة، لتحسين إدارة الموارد، ورفع كفاءة الخدمات، وتعزيز جودة الحياة، وتحقيق الاستدامة البيئية والاقتصادية، وهو ما يمكن أن يُطبّق في إطار مشاريع إعادة إعمار المدن السورية التي دمّرها النظام المخلوع، لتصبح مدناً حديثة قادرة على استيعاب العائدين والاستثمارات المحلّية والأجنبية.
فالمدينة الذكية تقوم على محاور رئيسة تشمل البنية التحتية الرقمية المتطوّرة، أنظمة النقل الذكي، وإدارة الطاقة والمياه بكفاءة عالية، والخدمات الحكومية الرقمية، ودعم الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال.
ويشمل مفهوم الذكاء في هذا السياق التقنية، ويمتد أيضاً إلى الحوكمة الرشيدة، وإشراك المجتمع في صنع القرار، وتحقيق تنمية متوازنة طويلة الأمد.
تجارب عالمية
عالمياً، قدّمت دول عدّة نماذج متطوّرة يمكن الاستفادة منها في التخطيط لمشروع المدن الذكية. ومن أبرز هذه التجارب سنغافورة، إذ تُعدّ من أكثر الدول تقدّماً في تطبيق مفهوم “الدولة الذكية”، وربط الخدمات الحكومية والصحيّة والمرورية ضمن منظومة رقمية موحّدة، إضافة إلى استخدام أنظمة استشعار لإدارة المرور والطاقة والمياه بكفاءة عالية.
وتعدّ برشلونة أيضاً من المدن الذكيّة الناجحة، إذ اعتمدت على تقنيّات إنترنت الأشياء لإدارة مواقف السيارات، وأنظمة الريّ الذكي للحدائق، والإنارة العامة التي تعمل وفق حساسات الحركة، ما أسهم في خفض الإنفاق العام وتحسين الخدمات.
وتُظهر هذه النماذج أنّ نجاح المدن الذكيّة يرتبط بتوفّر الإرادة والتشريعات الداعمة، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية، والشراكة بين القطّاعين العام والخاص.
بيئة جاذبة
في سوريا، يقول الخبير الاقتصادي المهندس محمد المريجاوي، لصحيفة “الثورة السورية” إنّ المدن الذكيّة تُعتبر النواة الأساسية لنموّ الاقتصاد الوطني، إذ توفّر بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والخارجية، وتخلق فرص عمل واسعة في مجالات التكنولوجيا والتحوّل الرقمي، وتسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.
ويضيف: “المدينة الذكية مشروع اقتصادي متكامل، يفتح المجال أمام شركات التكنولوجيا والبرمجيات، والاتصالات والطاقة المتجدّدة، وقطّاع البناء والتطوير العقاري الحديث، والصناعات القائمة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي“.
وبالتالي فإنّ الاستثمار في هذا النموذج ينعكس مباشرة على معدّلات النمو والتشغيل وتحسين بيئة الأعمال.
متطلّبات المدن الذكية
يشير المهندس المريجاوي إلى أنّ إقامة مدن ذكيّة في سوريا تتطلّب توفير بيئة استثمارية جاذبة ومتكاملة، تشمل تطوير البنية التحتية الأساسية لشبكات مياه وصرف صحي متطوّرة، وشبكات إنترنت حديثة وعالية السرعة، ومراكز بيانات ومعلومات متقدّمة، وشبكات نقل ذكية تعتمد على الأنظمة الرقمية.
وفيما يخصّ الاستثمار بالطاقة المتجدّدة، يوضّح أنّه لا يمكن لمدينة ذكية أن تعمل بكفاءة في ظلّ انقطاعات الطاقة، ما يستوجب التوسّع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويتطرّق إلى الشراكة بين القطّاعين العام والخاص، ويقول: “نظراً لضخامة التمويل المطلوب، فإنّ الاعتماد على الشراكات مع المستثمرين المحليين والعرب والأجانب يمثّل ضرورة حتمية لتأمين التمويل اللازم وتنفيذ مشاريع البنية التحتية”.
ويضيف: “يمكن تطبيق نموذج المدن الذكية في سوريا، خاصة في ظلّ الاتفاقيات التي أُبرمت بين مستثمرين من المملكة العربية السعودية والحكومة السورية، والتي تهدف إلى إنشاء مدن حديثة وتحسين وتطوير المدن القائمة”.
ويتابع: “من الممكن البدء بتحويل المدن الصناعية إلى مدن صناعية ذكيّة عبر إدخال تقنيات الأتمتة، وأنظمة الإدارة الرقمية، وتقنيات الإنتاج الحديثة، بما يعزّز القدرة التنافسية للصناعات السورية”.
كما يمكن استثمار موقع سوريا الجغرافي كبوابة إقليمية لإعادة الإعمار والخدمات اللوجستية، وربط المدن الذكية المستقبلية بممرات تجارية إقليمية، وفقاً للخبير المريجاوي.
التحدّيات
يؤكّد الخبير المريجاوي أنّه رغم أهمية مشروع المدن الذكية، إلا أنّ تحدّيات رئيسية تؤخّر تنفيذه في سوريا، منها ضعف البنية التحتية الحالية في مجالات الإنترنت والطاقة والنقل، والحاجة إلى تمويل ضخم لإنشاء البنية التحتية الرقمية والخدمية.
ويلفت إلى التحدّيات الاقتصادية التي تحدّ من القدرة على تنفيذ مشاريع استراتيجية كبيرة دون دعم خارجي، والحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي الداعم للاقتصاد الرقمي.
نماذج تجريبية
يرى المهندس المريجاوي أنّه في ظلّ التحدّيات القائمة، قد يكون من الأجدى البدء بإنشاء تجمعات عمرانية ذكية صغيرة كنماذج تجريبية، يتمّ فيها توفير خدمات إنترنت متطوّرة، وطاقة مستقرّة، وبنية رقمية متكاملة. وبعد نجاح هذه التجارب، يمكن تعميم النموذج تدريجياً ليشمل مدناً كاملة.
ويؤكّد أنّ نجاح هذه الرؤية يعتمد على تنفيذ الاتفاقيات الموقّعة مع المستثمرين العرب والأجانب في مجالات الطاقة والاتصالات والتطوير العقاري، بما يضمن انطلاقة عملية ومدروسة نحو التحوّل الرقمي الحضري.
أخيراً، تشير المعطيات الاقتصادية إلى أنّ المدن الذكية باتت توجّهاً تنموياً حتمياً في ظلّ التحوّلات العالمية للاقتصاد الرقمي وتصاعد التنافسية الدولية. ورغم التحدّيات، تمتلك سوريا الموارد البشرية والكفاءات العلمية القادرة على خوض هذا المسار.
ويبقى النجاح مرهوناً بالتخطيط المرحلي الواقعي، وتعزيز الشراكات الاستثمارية، وتحسين البنية التحتية الأساسية، بما يضع الأساس لمدن سورية ذكيّة قادرة على دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.
رولا عيسى
المصدر: الثورة السورية


































