مع تغير الأرقام على بطاقات الأسعار بوتيرة أسرع من تغيّر الفصول، لم يعد التضخم مجرد مصطلح اقتصادي يتداوله الخبراء، بل أصبح ضيفاً دائماً على موائد الأسر ودفاتر الميزانيات، من فاتورة البقالة إلى تكاليف الوقود والطاقة، يفرض التضخم نفسه كاختبار يومي لقدرة الأفراد على التكيّف، وإعادة التفكير في أنماط الإنفاق، والبحث عن توازن جديد بين الدخل والطموحات، ورغم أن التضخم قد يكون في جوهره مؤشراً على نمو اقتصادي صحي، فإن آثاره المباشرة على الحياة اليومية تجعل التعامل معه مهارة لا غنى عنها في هذا العصر.
المؤشر الاقتصادي والتحدي المعيشي
يُعرَّف التضخم بأنه الارتفاع العام في أسعار مجموعة من السلع والخدمات خلال فترة زمنية محددة.
ويرى عدد من الاقتصاديين أن وجود مستوى معتدل من التضخم يُعد علامة إيجابية على النشاط الاقتصادي. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يُنظر إلى معدل تضخم سنوي عند حدود 2% باعتباره صحياً ومقبولاً، غير أن هذا المتوسط لا يمنع ارتفاع أسعار سلع بعينها بوتيرة أسرع، تبعاً لطبيعة المنتج أو لاختلاف المناطق الجغرافية، وهو ما يشعر به المستهلك مباشرة في تفاصيل حياته اليومية.
ومع تقلب معدلات التضخم عبر الزمن، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات عملية تساعد الأفراد على التخفيف من تأثير ارتفاع الأسعار، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من قيمة دخولهم، دون التخلي عن أهدافهم المالية طويلة الأمد.
خمس خطوات عملية للتعامل مع التضخم
أولاً: حدّد أين يضغط عليك ارتفاع الأسعار أكثر
الشعور بالقلق من ارتفاع الأسعار أمر طبيعي، خاصة مع تدفق الأخبار اليومية حول التضخم، لكن الخطوة الأولى لاستعادة السيطرة تبدأ بمراجعة دقيقة للميزانية، ومقارنتها بالإنفاق الفعلي، هذه المراجعة تكشف بوضوح البنود التي تستنزف الدخل أكثر من غيرها.
فمن يقود سيارته إلى العمل يومياً سيلاحظ سريعاً أثر ارتفاع أسعار الوقود، أما الأسر، فغالباً ما ترى التضخم بوضوح في فواتير البقالة، أو في تكاليف تناول الطعام خارج المنزل. كذلك تشهد فواتير المرافق مثل الكهرباء والغاز تقلبات سنوية، تزداد حدتها في فترات الطقس القاسي، ومع انتشار العمل من المنزل، أصبحت تكاليف التدفئة والتبريد على مدار الساعة بنداً أساسياً في ميزانيات كثيرين.
ثانياً: أنفق أقل على الأساسيات دون المساس بالجودة
تُعد المواد الغذائية والوقود من أكبر عناصر الإنفاق الأسري، ما يجعل البحث عن طرق ذكية لتقليل تكلفتهما أمراً ضرورياً.
التوفير في الطعام:
يمكن لتخطيط الوجبات مسبقاً أن يقلل الهدر ويحدّ من الإنفاق غير الضروري، الاعتماد على مكونات اقتصادية مثل البقوليات، أو شراء بعض المنتجات بالجملة، وتعديل النظام الغذائي ليشمل بدائل أقل تكلفة، كلها خطوات فعّالة، كما توفر تطبيقات ومواقع تخطيط الوجبات قوائم تسوق جاهزة، تساعد على الالتزام بالميزانية، إضافة إلى ذلك، تتيح برامج الولاء في المتاجر، والتطبيقات الخاصة بالعروض، فرصاً لتوفير ملحوظ، خاصة عند دمجها مع تطبيقات استرداد نقدي تكافئ المستهلك على مشترياته اليومية.
التوفير في الوقود:
يمكن لعادات القيادة أن تُحدث فرقاً واضحاً في استهلاك الوقود، فالالتزام بالسرعة المحددة، وتجنّب تشغيل السيارة دون حركة، والصيانة الدورية للمحرك، كلها عوامل تحسّن الكفاءة، كما تساعد تطبيقات الملاحة في اختيار أقصر الطرق وتجنب الرسوم، بينما تشير تطبيقات أخرى إلى محطات الوقود الأقل سعراً، وللمسافات القصيرة، يظل المشي أو ركوب الدراجة خياراً اقتصادياً وصحياً، إلى جانب مشاركة السيارات أو استخدام النقل العام.
تقليل الإنفاق الاندفاعي:
الإنفاق الترفيهي، وإن بدا بسيطاً، قد يتراكم ليشكّل عبئاً كبيراً، تقليل عدد الخروجات المكلفة، أو اختيار بدائل أقل سعراً، وتجنّب أماكن التسوق غير الضرورية، كلها خطوات تساعد على ضبط الميزانية، ويُعدّ الالتزام بقاعدة 50/30/20 (50% للاحتياجات، 30% للرغبات، 20% للادخار) إطاراً عملياً لتحقيق هذا التوازن.

ثالثاً: خفّض هدر الطاقة في المنزل
ارتفاع فواتير الطاقة قد يكون دافعاً لإجراء تحسينات بسيطة لكنها مؤثرة في كفاءة استهلاك المنزل، استبدال العوازل التالفة حول الأبواب والنوافذ، وتنظيف النوافذ للاستفادة من الضوء الطبيعي، وبرمجة منظم الحرارة لتقليل استهلاك التكييف أثناء النوم أو الغياب، كلها إجراءات منخفضة التكلفة نسبيّاً، كما أن استخدام المراوح، وتغيير فلاتر أنظمة التكييف، وتركيب حساسات حركة للإضاءة، وعزل الأسطح المكشوفة، يمكن أن يقلل الاستهلاك بشكل ملحوظ، وبعض الأسر تحوّل هذه الجهود إلى نشاط جماعي، عبر تشجيع أفرادها على تبني عادات موفرة للطاقة مقابل مكافآت رمزية.
رابعاً: سيطر على الرسوم والالتزامات المتكررة
تتسلل زيادات الأسعار أحياناً إلى اشتراكات وخدمات لا يلاحظها المستهلك فوراً، مراجعة كشوفات البطاقات البنكية قد تكشف عن اشتراكات غير مستخدمة أو خدمات يمكن التفاوض على تخفيض أسعارها، مثل الإنترنت أو الهاتف المحمول، كذلك يمكن خفض تكاليف التأمين من خلال مقارنة العروض المتاحة عبر الإنترنت، خاصة إذا تغيّرت احتياجات الأسرة. ورغم أن كل توفير قد يبدو محدوداً بمفرده، فإن جمع هذه الوفورات يحقق أثراً ملموساً على المدى المتوسط.
خامساً: خفّف عبء الديون ووسّع دائرة الادخار
تقليص أرصدة بطاقات الائتمان، وتجنب الديون بشكل عام قد يوفر استقراراً مالياً أكبر، وتشير تجارب العديد من العملاء إلى تحقيق وفورات ملموسة عند توحيد الديون، سواء عبر تقليل الفائدة أو تثبيت الدفعات الشهرية.
التضخم كفرصة لإعادة التفكير
رغم أن التضخم يفرض ضغوطاً حقيقية على الأفراد، فإنه قد يكون حافزاً لإعادة تقييم العادات المالية، وبناء نهج أكثر وعياً في إدارة الدخل والإنفاق، فالخطوات الصغيرة التي تُتخذ اليوم قد تفتح المجال لتحقيق أهداف ادخارية أكبر حين تستقر الأسعار مستقبلاً.
وفي النهاية، قد يكتشف كثيرون أن الإنفاق المدروس لا يحمي الميزانية فحسب، بل يحسّن جودة الحياة أيضاً، فعندما تتراجع الهواجس المالية اليومية، وتتضح الرؤية نحو المستقبل، يصبح التركيز على الاستمتاع بالحياة أمراً أكثر سهولة، حتى في زمن التضخم.
المصدر: موقع “ديسكفر”



































