في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في مسار التعاون الاقتصادي الإقليمي، وقّعت سوريا والمملكة العربية السعودية في السابع من الشهر الجاري حزمة اتفاقيات استراتيجية؛ تشمل قطاعات: الطيران، المياه، الاتصالات، والتنمية؛ في واحدة من أبرز جولات التعاون الثنائي خلال السنوات الأخيرة، وتأتي هذه الاتفاقيات في إطار: جهود إعادة الإعمار، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز اندماج الاقتصاد السوري في محيطه الإقليمي.
الطيران المدني.. بوابة لإعادة تنشيط التجارة والنقل
تركّز الاتفاقيات على تطوير قطاع الطيران المدني، عبر التعاون مع هيئة الطيران المدني السورية من أجل: تطوير مطار حلب الدولي الجديد، تحديث المطار الحالي، إلى جانب إنشاء شركة طيران سورية تجارية للشحن والركاب.
ويهدف هذا المسار إلى: استعادة القدرة التشغيلية للنقل الجوي، ودعم حركة التجارة والسفر بعد سنوات من التراجع.
وفي إطار اتفاق منفصل، اتفق الطرفان على إطلاق شركة طيران وطنية منخفضة التكلفة تحت اسم «فلاي ناس سوريا»؛ في خطوة تعكس توجهاً نحو تعزيز المنافسة، وتوسيع شبكة النقل الجوي.
ووقّع الاتفاق رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي في سوريا والرئيس التنفيذي لشركة «فلاي ناس» السعودية.
ووفقاً للاتفاق، ستكون ملكية «فلاي ناس سوريا» مشتركة، بحيث تمتلك هيئة الطيران المدني السورية 51%، بينما تمتلك شركة «فلاي ناس» 49.
الاستثمارات الكبرى ودور مجموعة بن داود
ضمن حزمة الاتفاقيات السورية-السعودية، برزت مجموعة بن داود الاستثمارية عبر شركة «سدرة» التابعة لها، بالتعاون مع صندوق «إيلاف» السعودي، كشريك رئيسي في مشروع تطوير مطار حلب الدولي الحالي، إضافة إلى دراسة إنشاء مطار جديد شمال المدينة، بما يشمل أعمال التأهيل التشغيلي وتطوير البنية التحتية للطيران وتشغيلها بالشراكة مع القطاع الخاص السعودي.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين تشمل أكثر من 80 اتفاقية ومذكرة تفاهم في قطاعات متعددة، من بينها الطيران والاتصالات والمياه والعقارات والبنية التحتية، بقيمة إجمالية تقدّر بعشرات المليارات من الريالات السعودية.
كما يتضمن التعاون الاستثماري التزامًا أوليًا من صندوق «إيلاف» لدعم مشاريع تطوير وتشغيل مطارات حلب على مراحل متعددة، ضمن رؤية طويلة الأمد لتعزيز البنية التحتية الجوية في سوريا.
استثمارات المياه.. معالجة فجوة الموارد وتعزيز الأمن المائي
تشمل الاتفاقيات مشاريع لتحلية المياه ونقلها، لمعالجة النقص المزمن في الموارد المائية في سوريا، واتفق الطرفان على: إجراء دراسات اقتصادية وتقنية ومالية لمشاريع تحلية مياه البحر، وتطوير بنية نقل المياه؛ بما يعزز الأمن المائي؛ ويدعم الاستقرار التنموي.
الاتصالات والتحول الرقمي.. رافعة للاقتصاد السوري
كما تتضمن الاتفاقيات مشروعاً استراتيجياً لتطوير البنية التحتية للاتصالات، عبر: توسيع شبكات الألياف الضوئية، وإنشاء مراكز بيانات حديثة.
وتهدف الخطة إلى تعزيز موقع سوريا كمركز إقليمي للبيانات؛ في إطار التوجه نحو الاقتصاد الرقمي، بالرغم من عدم الإعلان عن جدول زمني أو حجم الاستثمارات.
وتشمل الاتفاقيات أيضاً: تشغيل وتطوير «الشركة السورية الحديثة للكابلات»، إلى جانب إنشاء منصة وطنية للتدريب المهني والتقني والتكنولوجي؛ بهدف دعم تنمية القوى العاملة؛ بما يتوافق مع المشاريع الجديدة، ومنها مشروع «سيلك لينك» (SilkLink).
التنمية والشراكات الإقليمية والدولية
في سياق متصل، جرى توقيع اتفاق إطار للتعاون بين صندوق التنمية السوري ولجنة التنمية السعودية لإطلاق 45 مبادرة تنموية في قطاعات متعددة، من دون الكشف عن تفاصيل التمويل أو مواقع التنفيذ.
وقد استقطبت الاتفاقيات اهتماماً دولياً، إذ قال توماس باراك؛ المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا: “إن واشنطن ترحب بهذه الاتفاقيات”، مؤكداً أن الشراكات الاستراتيجية في مجالات الطيران والبنية التحتية والاتصالات ستسهم في دعم جهود إعادة إعمار سوريا وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
آفاق الشراكة الاقتصادية
تعكس الاتفاقيات السورية – السعودية توجهاً نحو إعادة بناء العلاقات الاقتصادية على أساس الشراكة الاستثمارية طويلة الأمد؛ بما يتجاوز الدعم التقليدي إلى مشاريع استراتيجية ذات أثر اقتصادي مباشر، ومع أن العديد من المشاريع لا تزال في مراحلها الأولى، فإن حجم الاتفاقيات واتساع نطاقها يشيران إلى بداية مرحلة جديدة قد تسهم في: تسريع إعادة الإعمار، وتعزيز مكانة الاقتصاد السوري ضمن المنظومة الإقليمية، بشرط تحويل هذه التفاهمات إلى مشاريع تنفيذية ملموسة ومستدامة.



































