بعد أكثر من عامين من الاضطرابات التي ضربت حركة المرور بالبحر الأحمر، جراء العدوان الإسرائيلي على غزة، وتوسع التوتر العسكري بين إيران والولايات المتحدة تجد قناة السويس نفسها متأرجحة بين عودة جزئية لحركة الملاحة الدولية، تحت حراسة أمنية مشددة، وضغط الاضطراب الأمني والحسابات الجيوسياسية الثقيلة، ورغم إعلان أكبر شركتين لشحن الحاويات في العالم، ميرسك وهاباج – لويد، استئناف عبور سفنهما لمسار القناة التقليدي بدءًا من منتصف شباط الجاري، فإن خطوط الشحن العالمية لا تزال تتقدم بخطوات بطيئة محسوبة، تخشى ارتداد نيران الحرب إلى الممر الملاحي الحيوي، ووسط تطمينات رسمية من رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، تتحدث عن معدلات نمو إيجابية في حركة المرور بالقناة، يؤكد خبراء النقل البحري أن التعافي لن يكون سريعًا، متأثرًا بتداعيات حالة الاضطراب التي يشهدها الشرق الأوسط برمته، والذي بات جزءاً من معادلة في الحرب التجارية المشتعلة بين الولايات المتحدة والصين، والمتوقع استمرارها لسنوات مقبلة.
مخاطر التصعيد الأميركي
تلقي حالة التوتر العسكري الحالية بين الولايات المتحدة وإيران بظلال قاتمة على حركة الملاحة في قناة السويس، اعتبرها خبراء في النقل البحري واللوجستيات مؤشرًا على صعوبة عودة حركة السفن الدولية بالقناة إلى معدلاتها الطبيعية، التي تحققت قبل العدوان الإسرائيلي على غزة في تشرين الأول 2023، بقيمة بلغت 10.5 مليارات دولار سنوياً.
وأكد الخبراء أنه رغم تحسن بعض المؤشرات في حركة السفن جنوب البحر الأحمر والمرور بقناة السويس منذ بداية عام 2026، فإن التوتر الحالي بين الولايات المتحدة وإيران يلقي بظلاله على حركة الملاحة، والتي تظهر آثارها جلية في مواصلة القوات الأميركية عملياتها البحرية في بحر العرب وباب المندب لحماية السفن الدولية، خشية مخاطر مرتبطة بتحركات مفاجئة لجماعة الحوثيين، التي تكرر تهديداتها ضد السفن المرتبطة بإسرائيل ودول غربية، وهو ما يزيد من الحذر الشديد لشركات الشحن الدولية، رغم التحسن الظاهر في الأوضاع الأمنية بالمنطقة.
وقال خبير النقل البحري واللوجيستيات حمدي برغوث في مقابلة مع “العربي الجديد”: إن حالة الصراع المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران تجعل حركة المرور في قناة السويس وباب المندب تحت الضغط العسكري والسياسي الذي تشهده منطقتا الخليج العربي والبحر الأحمر، بما يزيد من مخاوف شركات الشحن الدولية من العودة بكامل طاقتها إلى المرور عبر القناة.
وأضاف أنّ وجود إسرائيل في قلب الصراع بين الطرفين واستمرارها في حالة الحرب على غزة، وإصرارها على ضرب إيران، يزيد من حالة الاضطراب العسكري والتهديدات المحيطة بممرات المياه الإقليمية، مؤكدًا أن التخوف من المرور بقناة السويس سيظل مستمراً لفترة تتخطى منتصف العام الجاري، وقد تطول إلى نهاية العام، في حال عدم التوصل إلى نتائج حاسمة في المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي يعني فشلها استمرار حالة الحرب المعلنة بين الطرفين، والتي تهدد المنطقة بأسرها.
وأكد خبير النقل البحري أن تأرجح حركة الملاحة بقناة السويس ستظل له انعكاسات مباشرة على إيرادات القناة من النقد الأجنبي، مبيناً أنه رغم زيادة الإيرادات بنسبة 18.55% في النصف الأول من العام المالي الجاري 2025 – 2026 مقارنة بالعام السابق، فإنّ نتائج الإيرادات تظل دون مستويات ما قبل العدوان على غزة بشكل كامل، متأثرة بتراجع حركة السفن، والتي لا تزال شركاتها تقيم المخاطر في مسارات القناة وتعتمد جزئياً على طرق بديلة، ما يقلل عدد العبور الفعلي بالقناة ويلقي ضغطاً على الإيرادات مقارنة بفترة ما قبل أكتوبر 2023.
وأوضح برغوث أن تذبذب حركة الملاحة يعكس مرحلة انتقالية غير مستقرة، إذ تميل الشركات إلى إعادة فتح خطوطها عبر قناة السويس تدريجيًا، لكنها لا تزال تراقب التطورات السياسية والأمنية في البحر الأحمر، مبيناً أن عودة الملاحة بالقناة إلى مستوياتها الطبيعية لن تحدث في وقت قصير، في ظل حاجة السفن المارة بالبحر الأحمر إلى تأمين شامل، وقيام شركات التأمين البحري العالمية بتقييمات مستمرة لمسار التوترات الإقليمية.
وفي حال انتهاء المخاوف الأمنية، تتولى شركات الشحن العودة التدريجية لسفنها للمنطقة على فترات زمنية تمتد ما بين ثلاثة إلى ستة أشهر، واعتبر الخبير أن ما يحدث من تصعيد أميركي ضد إيران جزء من الحرب التجارية التي تديرها الولايات المتحدة ضد الصين، والتي قد تؤدي إلى انقلاب في النظام العالمي الحالي برمته، وتظل القناة جزءاً من هذا الصراع لإعادة ترتيب أوراق النظام الوليد واللاعبين الرئيسيين فيه.
رصدت غرفة الملاحة البحرية المصرية خلال شهر كانون الثاني الماضي ارتفاعاً طفيفاً في حركة الملاحة بقناة السويس، مسجلة مستويات عبور تقل عن 60% من مستويات حركة الملاحة لفترة ما قبل العدوان على غزة، وذلك حتى الأسبوع الأول من شباط الجاري، وهو ما يعده خبراء الغرفة دليلاً على عدم ثقة الشركات الكاملة في استقرار الحالة الأمنية بالبحر الأحمر.
وتشير غرفة الملاحة البحرية إلى عودة جزئية ومحدودة النطاق للمرور بالقناة من أكبر شركات شحن دولية، ومنها “ميرسك” و”هاباغ لويد” وإن ظلت تحت حماية ومراقبة أمنية مشددة، وهي إجراءات تعكس عدم ثقة الشركتين الكاملة في العودة للمرور بالقناة، لتظل مرهونة بحالة استقرار أوسع في المنطقة، وليس بوقف مباشر للهجمات التي سبق التعرض لها عامي 2024 و2025.
وتشير بيانات رسمية صادرة عن شركتي ميرسك وهاباج – لويد نهاية 2025، إلى عدم وجود جدول زمني قطعي لاستئناف كامل وبدون قيود لعبور خطوطهما عبر مسار البحر الأحمر وقناة السويس، إذا لم تتحسن الأوضاع الأمنية بشكل أكبر، منوهة إلى أن القرار مرتبط باستمرارية الاستقرار في البحر الأحمر وعدم تفجر صراعات جديدة.
ويظهر البيان الرسمي مخاوف أكبر مشغلي خطوط الحاويات في العالم من تعرضهم لمخاطر جديدة، في حال عدم التوصل إلى حل شامل للصراع العسكري الدائر بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتهاء العدوان الإسرائيلي على غزة، الذي يؤجج ضربات الحوثيين ضد السفن المرتبطة بتل أبيب والغرب.
وسبق للشركتين أن أعلنتا عن اتفاقية تعاون بينهما في كانون الأول الماضي تتضمن خططاً لاستئناف عبور بعض السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس اعتباراً من منتصف شباط الجاري 2026، بعد أن أجرتا اختبارات ناجحة لعبور بعض السفن في نهاية عام 2025، لتكون العودة في نطاق سفن وشحنات محدودة، وتحت حراسة قوات بحرية تعمل حاليًا في منطقة البحر الأحمر لحماية طواقم التشغيل والبضائع.
بداية مرحلة جديدة
في المقابل، يرى سكرتير عام شعبة النقل الدولي واللوجستيات في الغرفة التجارية بالقاهرة، عمرو السمدوني، أن عودة شركات الملاحة الكبرى للمرور بالقناة، مثل ميرسك وسي إم إيه – سي جي إم، تمثل بداية مرحلة جديدة في استعادة التدفقات الطبيعية للنقل البحري.
وأوضح، في رسالة لـ”العربي الجديد”، أن عودة هذه الخطوط تعني أنّ جزءاً كبيراً من حركة الشحن الطبيعية سيعود تدريجياً خلال الأشهر المقبلة عبر قناة السويس، في سياق الهدوء الجزئي الذي يشهده البحر الأحمر حالياً.
وأشار السمدوني إلى أن السياسات التحفيزية التي اتبعتها هيئة قناة السويس، والتي تشمل تقديم تخفيضات على رسوم العبور لعدد كبير من أنواع سفن الشحن العملاقة والحاويات والناقلات، بخاصة القادمة من مناطق بعيدة كأميركا الجنوبية وشرق آسيا، والمستمرة حتى حزيران 2026، ساهمت في جذب عدد من الخطوط الملاحية للقناة من جديد.
وذكر السمدوني أن عودة حركة المرور بالقناة لن تكون دفعة واحدة، إنما عبر عملية تدريجية تتأثر بأمن الملاحة وثقة الشركات العالمية والسياسات التحفيزية، مبيناً وجود مؤشرات على تحسن مستمر في معدلات مرور السفن بقناة السويس، لكنه ما زال غير مستقر بالكامل وأشار إلى أن شركات الملاحة الدولية لا تزال ترى أن القناة هي الخيار الأمثل من حيث التكلفة والوقت مقارنة بمسار رأس الرجاء الصالح، مؤكداً أنّ أي استقرار طويل الأمد في الأوضاع الأمنية بالبحر الأحمر سيكون حافزاً قويًا لعودة الملاحة بالقناة بشكل أكبر، بما يؤدي إلى زيادة تدريجية في أعداد السفن العابرة، وتراجع تكاليف التأمين البحري، الذي يسهم في خفض قيمة الواردات للسوقين المحلية والدولية، وتحسن إيرادات قناة السويس، لتعويض الخسائر التي تكبدتها خلال العامين الماضيين.
المصدر: العربي الجديد



































