بينما يشير اقتصاد الظل التقليدي إلى النشاطات الاقتصادية غير المسجلة غالباً، والتي تهدف إلى تجنب الضرائب والالتزامات القانونية، وغالباً ما تكون ضارة بالمجتمع أو البيئة، يقدّم “اقتصاد الظل النظيف” نموذجاً مختلفاً، إذ يسمح بالعمل خارج الإطار الرسمي مؤقتاً مع رقابة مخففة على الجوانب الصحية والغذائية، بهدف تحريك عجلة الإنتاج وخلق فرص عمل دون التسبب بأضرار.
لكن يبقى السؤال: هل يمكن أن يكون “اقتصاد الظل النظيف” نموذجاً قابلاً للتطبيق في سوريا؟
حلّ مرحلي
يطرح الصناعي وأمين سر غرفة صناعة حمص سابقاً، عصام تيزيني، مفهوم “اقتصاد الظل النظيف” كحل مرحلي ولمدة محدودة، يقوم على السماح بالعمل دون تراخيص أو أعباء ضريبية، مع رقابة مخففة تقتصر على الجوانب الصحية والغذائية، معتبراً أن الهدف من هذا الطرح ليس إلغاء دور الدولة، بل منح الاقتصاد “فترة تنفّس” تتيح تحريك عجلة الإنتاج وتأمين فرص عمل، ريثما تُبنى منظومة تشريعية حديثة وأكثر واقعية.
ويشير إلى أن هذا النموذج طُبّق بأشكال مختلفة في دول، مثل الصين وماليزيا خلال مراحل انتقالية مشابهة، وأسهم في امتصاص البطالة وتحفيز المبادرات الفردية، قبل الانتقال التدريجي إلى الاقتصاد المنظم.
وينتقد تيزيني استمرار العمل بعدد من المراسيم والقوانين الاقتصادية القديمة، مثل القانون رقم /8/ لعام 2021 المتعلق بالتجارة الداخلية وحماية المستهلك، والتي وُضعت في ظروف استثنائية وأسهمت في تقييد النشاط الاقتصادي.
ويؤكد أن الاقتصاد السوري اليوم يحتاج إلى أدوات وتشريعات جديدة تتناسب مع التعافي وواقع الدمار.
كما يشير إلى غياب المرونة في تعامل الجهات الرسمية مع صغار المنتجين والحرفيين مقابل تركيزها على كبار التجار والصناعيين، ما يقلل من مساهمة الفئات الشعبية في الإنتاج، ويقصي شريحة واسعة من المواطنين عن سوق العمل المنظم.
إيجابيات وسلبيات
يقدّم الخبير الاقتصادي إيهاب اسمندر، قراءته لمفهوم “اقتصاد الظل النظيف”، معتبراً أنه يشمل الأنشطة الاقتصادية غير المسجلة رسمياً، لكنها لا تنطوي على أعمال ضارة بالمجتمع أو البيئة.
ويرى اسمندر أن تطبيق هذا النموذج في سوريا قد يحمل بعض الإيجابيات، مثل خلق فرص عمل سريعة في ظل ارتفاع معدلات البطالة التي تقدر بنحو 55 بالمئة، إضافة إلى المرونة في التكيف مع الظروف الصعبة، وتقليل التكاليف البيروقراطية، وتشجيع الابتكار المحلي، وتمكين المجتمعات المحلية اقتصادياً.
إلا أنه يحذّر في المقابل من سلبيات محتملة، أبرزها ضعف حماية العمال والمستهلكين، وفوات إيرادات على خزينة الدولة، وصعوبة الوصول إلى التمويل المصرفي الرسمي، إضافة إلى ضعف ضمانات الجودة والمواصفات.
واقع قائم
يرى النائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أن توسّع اقتصاد الظل في سوريا أصبح واقعاً قائماً يصعب ضبطه بالوسائل التقليدية، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في ملاحقة هذا الاقتصاد أو قمعه، بل في غياب الآليات المشجعة لاندماجه في الاقتصاد المنظم.
ويبيّن الحلاق أن أسباب التوجه نحو اقتصاد الظل معروفة، وفي مقدمتها ارتفاع الضرائب والرسوم والأعباء المالية، إضافة إلى تعقيدات التسجيل التجاري والصناعي ومتطلبات التأمينات الاجتماعية، ما يدفع كثيراً من الفعاليات الاقتصادية، ولا سيما الصغيرة منها، إلى العمل خارج الإطار الرسمي.
ويضيف:إن أي مقترحات تتعلق بتنظيم أو “مراقبة” اقتصاد الظل تستحق النقاش، لكنها لا يمكن أن تُعتمد بشكل كامل ما لم تكن منسجمة مع واقع الاقتصاد السوري، لافتاً إلى أن الهوية الاقتصادية للبلاد ما تزال غير واضحة، وأن الممارسات الحالية تعاني تشوّهات كبيرة.
ويطرح مثالاً على ذلك ملف السيارات المستوردة نظامياً، متسائلاً عن آلية التعامل الضريبي معها، وما إذا كانت تُفرض عليها ضرائب دخل لاحقاً، وهل يُحاسب المستورد على أرباح مفترضة، معتبراً أن غياب الوضوح في هذا المسار يخلق حالة من الإرباك لدى الدولة والتجار والمستهلكين معاً.
بدائل مقترحة
يقترح الخبير اسمندر بدائل عملية يمكن أن تشكّل مخرجاً مرحلياً، من بينها تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني عبر تعاونيات إنتاجية صغيرة تخضع لقوانين مبسطة، وتطوير الاقتصاد الأخضر الصغير، وتشجيع اقتصاد المعرفة والعمل الرقمي، إضافة إلى الاقتصاد الدائري المحلي، وإحداث مناطق اقتصادية خاصة صغيرة تتمتع بإعفاءات ضريبية مؤقتة وتشريعات مرنة.
من جهته، يكشف الحلاق عن مقترح سابق قدمه إلى وزارة المالية يقضي بإعادة العمل بسلفة ضريبة الدخل القطعية لمدة ثلاث سنوات على المستوردات، بحيث تكون ضريبة نهائية معروفة مسبقاً، ما يحقق عدالة تنافسية ويخفف الاحتكاك بين المكلفين والإدارة الضريبية.
ويرى أن اعتماد هذا الأسلوب يسمح للتاجر أو المستورد بمعرفة التزامه الضريبي بشكل واضح، دون الدخول في إشكاليات الإفصاح التفصيلي والشكوك المتبادلة، معتبراً أن هذا الحل يضع الطرفين – الدولة والقطاع الخاص – في “منطقة مريحة”.
كما يقترح الجمع بين استيفاء ضريبة الدخل على أساس القيمة والوزن معاً، ما يشجع على التصريح عن القيمة الحقيقية للسلع، ويسهم في ترسيخ ثقافة الإفصاح والشفافية تدريجياً.
ويشدد الحلاق على أن تكلفة التهرب الضريبي في الواقع أعلى بكثير من تكلفة الالتزام الضريبي، شريطة تساوي عناصر التكلفة وغياب التشوهات، داعياً إلى تخفيض نسب اشتراكات التأمينات الاجتماعية التي تشكّل عبئاً كبيراً على أصحاب العمل، بما يشجع على التصريح الحقيقي عن الأجور، ويضمن حقوق العمال التأمينية بشكل فعلي.
هلال عون
المصدر: الثورة السورية



































