أفرزت المرحلة الانتقالية التي دخلتها سورية بعد سقوط نظام الأسد اختلالات عميقة في بنية القطاع العام، كان أبرزها التفاوت الحاد في الرواتب بين الموظفين الخاضعين لقوانين الخدمة العامة المعمول بها منذ سنوات، وموظفين جرى التعاقد معهم حديثاً، ولا سيما القادمين من مناطق الشمال السوري أو من خارج البلاد، ضمن صيغ تعاقدية مختلفة وبعملات متعددة.
ويبلغ متوسط راتب الموظف الحكومي الخاضع لقانون العاملين الأساسي بين 900 ألف و1.5 مليون ليرة سورية شهرياً، أي ما يعادل أقل من 80 إلى 150 دولاراً وفق أسعار الصرف الرائجة، حتى بعد الزيادات الأخيرة. في المقابل، تُظهر عقود التوظيف الجديدة أن رواتب شريحة من المتعاقدين الجدد تبدأ من نحو 300 دولار شهرياً وقد تصل إلى 1500 دولار في بعض المؤسسات، وتُصرف بالدولار، مما يعني فجوة تتراوح بين ضعفي وخمسة أضعاف بين موظفين يؤدون أعمالاً متشابهة داخل الجهة العامة نفسها.
وفي هذا السياق، أكد معاون وزير التنمية الإدارية أنس الصواف، أن مشروع قانون الخدمة المدنية المطروح للنقاش يهدف إلى معالجة تراكمات سابقة في التوظيف والترقية والتدريب وتقييم الأداء، عبر منهجية جديدة تركز على التنافس العادل، والمسارات الوظيفية الواضحة، والتدريب المستمر، والشفافية في العلاقة بين المؤسسة والموظف.
وأوضح الصواف أن مشروع القانون يستند إلى خمسة محاور أساسية، منها تنظيم الدخول إلى الخدمة المدنية عبر آليات تنافس شفافة ومتوازنة، وتكريس إدارة موارد بشرية فعّالة تربط الترقية بالأداء الفعلي لا بالأقدمية فقط، إلى جانب توفير بيئة عمل حديثة تعتمد أساليب مرنة حيثما تسمح طبيعة الوظيفة.
وأضاف لـ “العربي الجديد” أن المشروع يولي أهمية خاصة لتعزيز الثقة والحوكمة من خلال ضوابط منصفة للمساءلة وآليات تظلّم شفافة، فضلاً عن تحقيق توازن واضح بين الحقوق والواجبات، بما يجعل الخدمة المدنية بيئة تكافئ الجدارة وترفع قيمة الإنجاز، موضحاً أن الرواتب التي سيتقاضاها جميع الموظفين ستحدد وفق الدرجات الوظيفية المعتمدة في القانون، بما يضمن العدالة والشفافية في توزيع الأجور، ويعزز الثقة بين الموظف والإدارة.
فجوة الرواتب
هذا التفاوت، الذي بات ملموساً داخل الوزارات والمؤسسات العامة، لم يعد مسألة إدارية هامشية، بل تحوّل إلى إشكالية اقتصادية واجتماعية وقانونية تمس جوهر العدالة الوظيفية، وتطرح أسئلة حساسة حول شكل الدولة في طور إعادة التشكل، وقدرتها على بناء جهاز إداري متماسك وقادر على أداء دوره في مرحلة التعافي.
وتشير تقديرات اتحاد عمال سورية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام السوري يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، بعدما كان يتجاوز 3.5 ملايين قبل عام 2011، في ظل تقلص الجهاز الإداري خلال سنوات الحرب، وعمليات تدقيق لاحقة استهدفت ما يُعرف بـ “الموظفين الوهميين”.
وتقدّر وزارة المالية أن فاتورة الرواتب الشهرية للقطاع العام باتت تتجاوز تريليون ليرة سورية، في وقت تعتمد الدولة جزئياً على منح ودعم خارجي لتغطية نفقات الأجور، مما يعكس حجم الضغط المالي وتعقيد توحيد سلّم الرواتب في المرحلة الانتقالية.
تشوّه الأجور في سوريا
لا يقتصر الخلل على قيمة الراتب فحسب، بل يتعداه إلى العملة المعتمدة في الدفع، إذ ما زالت رواتب الموظفين القدامى تُصرف بالليرة السورية، بينما تُدفع رواتب عدد من الموظفين الجدد بالدولار، مما خلق داخل المؤسسة الواحدة اقتصادين متوازيين، وأعاد إنتاج الفوارق الطبقية بصيغة وظيفية، وفق ما يؤكده اقتصاديون وخبراء إدارة عامة.
ويرى الخبير الإداري عبد الرحمن تيشوري، أن أزمة الرواتب في سورية لا يمكن اختزالها في فجوة أجرية بين موظفين قدامى وجدد، بل تعكس ارتباكاً أعمق في فلسفة إدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية. ويشير لـ “العربي الجديد” إلى أن الجمع بين نظامين مختلفين للتوظيف والأجور داخل المؤسسة الواحدة، أحدهما قائم على قانون الخدمة العامة والآخر على عقود مرنة وبعملات أجنبية، خلق واقعاً هجيناً يفتقر إلى الانسجام، ويصعب معه بناء ثقافة مؤسسية مستقرة.
ويضيف أن استمرار هذا النموذج من دون إطار زمني واضح أو خطة انتقالية معلنة سيحوّل التفاوت في الرواتب من إجراء مؤقت إلى خلل بنيوي دائم، يضعف الحافز لدى شريحة واسعة من العاملين، ويقوّض ثقة الموظف بالدولة بوصفها جهة منصفة؛ لافتاً إلى أن ما تشهده منظومة الأجور في القطاع العام هو تشوّه هيكلي ناتج من انفصال الأجور عن الإنتاجية، وعدم ربط الرواتب بالأداء الفعلي أو القيمة المضافة للعامل، إضافة إلى تسطيح هرم الرواتب وضغط الفروق بين الدرجات الوظيفية، مما يقلل الحوافز للترقي ويجعل الخبرة الطويلة بلا وزن اقتصادي فعلي.
داخل الوزارات، لا يخفي موظفون قدامى شعورهم بالغبن؛ حيث يقول مهندس يعمل منذ أكثر من عشرين عاماً في إحدى الجهات التابعة لوزارة الكهرباء لـ “العربي الجديد”، “إن المشكلة لا تكمن في قدوم زملاء جدد، بل في أن يعمل الجميع في المكتب نفسه، ويخضعوا للمعايير ذاتها من دوام ومساءلة، بينما يكون الفارق في الراتب أضعافاً”. ويضيف أن هذا الواقع يضرب الإحساس بالعدالة والانتماء، ويحوّل العمل إلى واجب روتيني خالٍ من الدافع.
إصلاح شامل
في المقابل، يعترف بعض الموظفين الجدد بحساسية هذا الواقع، مؤكدين أن الرواتب المرتفعة لم تكن خيارهم الفردي، بل جزءاً من عروض التعيين المقدمة لهم. ويشير أحدهم إلى أن عقده ينص على راتب بالدولار، لكنه لا يتمتع بحقوق التقاعد أو التأمينات الاجتماعية أو الترفيعات، مما يجعل وضعه الوظيفي هشاً على المدى الطويل، رغم ارتفاع الأجر الحالي، مؤكداً أنه لا يرغب بوجود توتر مع زملائه، وأن الحل يجب أن يكون تشريعياً لا فردياً.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد الأحمد، أن تشوّه سلّم الرواتب يعد من أخطر التشوّهات الاقتصادية، لأنه يولد تمييزاً داخل المؤسسة الواحدة، ويؤدي إلى إحباط مزمن، وتراجع الإنتاجية، وضعف الانتماء، ويفتح الباب أمام سلوكيات سلبية، من التقاعس إلى الفساد، مما ينعكس مباشرة على دور القطاع العام في بناء الاقتصاد الوطني.
ويحذر الأحمد من أن دفع الرواتب بالدولار يعمّق ظاهرة “الدولرة”، ويدفع السوق إلى تسعير السلع والخدمات على أساس العملة الصعبة، مما يضعف مكانة الليرة السورية، ويزيد الضغط على الفئات ذات الدخل الثابت، ويقضي على أي إمكانية عادلة لتقييم الأداء على أساس الكفاءة.
ويثير هذا الواقع إشكاليات تتعلق بمبدأ “الأجر المتساوي مقابل العمل المتساوي”، إذ يؤكد الخبير الاقتصادي أن تعيين أي موظف في جهة عامة يجب أن يخضع لقانون العاملين الأساسي، وأن منح رواتب أعلى خارج الجداول المعتمدة لا يكون مشروعاً إلا بتعديل تشريعي صريح أو بمرسوم عام يشمل جميع العاملين. ويشير إلى أن الإعلان الدستوري الصادر في مارس/ آذار 2025 كرس مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، مما يجعل أي تمييز في الأجور دون سند قانوني واضح مساساً مباشراً بالعدالة الوظيفية، وضرباً للثقة بالمؤسسات العامة في لحظة يفترض أن تكون تأسيسية لا ترحيلاً للأزمات.


































