على مدى عقود، كان اختيار مقر الإقامة والاستثمار بالنسبة لأثرياء العالم قراراً شبه محسوم، يتمحور حول ثلاث مدن رئيسية: نيويورك، لندن، وهونغ كونغ. غير أن هذا المنطق لم يعد قائماً اليوم، في ظل تحولات عميقة تشهدها خريطة الثروة العالمية، دفعت كبار الأثرياء إلى البحث عن بدائل أكثر تنوعاً ومرونة.
وبحسب مراقبين، فإن الأثرياء للغاية لم يعودوا يركزون على مدينة بعينها، بل باتوا يبحثون عن منظومة جغرافية ومالية متكاملة تضمن حماية ثرواتهم واستدامتها على المدى الطويل.
ثلاثة عوامل قلبت المعادلة
يرى محللون أن إعادة توزيع الثروة عالمياً تقف خلفها ثلاثة عوامل رئيسية أعادت تشكيل أولويات الأثرياء.
أولاً: الضرائب: شهدت دول كانت تُعد ملاذاً آمناً للثروات زيادات ضريبية مفاجئة، استهدفت بشكل مباشر أصحاب الثروات العالية، ما قلّص من جاذبيتها الاستثمارية، ودفع الكثيرين إلى إعادة تقييم إقاماتهم الضريبية.
ثانياً: السياسة وعدم الاستقرار: ساهمت التوترات الجيوسياسية، والحروب، والاستقطاب السياسي الحاد في عدد من الاقتصادات الكبرى، في رفع منسوب المخاطر، وهو ما يتعارض مع فلسفة إدارة الثروات التي تقوم على الاستقرار واليقين.
ثالثاً: تضخم حجم الثروات: لم تعد الثروات الكبرى تُدار بأسلوب تقليدي، إذ تحوّلت مكاتب العائلات إلى كيانات استثمارية ضخمة تنافس أكبر المؤسسات المالية العالمية، ما يتطلب بنية قانونية وضريبية أكثر مرونة وانتشاراً جغرافياً أوسع.
لندن.. مركز تقليدي يفقد بريقه
تُعد لندن واحدة من أكبر مراكز مكاتب العائلات في العالم، غير أنها تشهد في الفترة الأخيرة نزوحاً غير معلن لجزء من أموال الأثرياء، وفق ما تشير إليه تقارير دولية.
ويُعزى هذا التراجع إلى تشديد السياسات الضريبية على الأثرياء المتنقلين عالمياً، الأمر الذي دفع العديد منهم إلى تقليص أنشطتهم داخل المدينة، بل والانتقال إلى إقامات ضريبية بديلة خارج المملكة المتحدة.
المال لا يختفي.. بل ينتقل
في المقابل، لا يعني خروج الثروات من بعض المراكز التقليدية اختفاءها، بل انتقالها إلى وجهات أكثر ملاءمة. وتبرز في هذا السياق مدن في الشرق الأوسط وسنغافورة كوجهات مفضلة، بفضل بيئات ضريبية أقل حدة، واستقرار سياسي نسبي، وبنية مالية متطورة.
وتشير بيانات نقلتها “بلومبرغ” إلى أن نحو 50% من مكاتب العائلات تعمل اليوم في أكثر من دولة واحدة، مقارنة بنحو 30% فقط قبل عامين، في مؤشر واضح على التحول نحو نماذج إدارة ثروات عابرة للحدود.
تغيّر في عقلية الأثرياء
لم يعد السؤال الأساسي الذي يطرحه الأثرياء اليوم هو: أين أحقق أعلى عائد؟ بل بات السؤال الأكثر إلحاحاً: أين أحمي ثروتي؟
هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن المخاطر الضريبية والسياسية قد تكون أكثر تأثيراً من تقلبات الأسواق نفسها، ما يدفع نحو إعادة توزيع الثروات بدلاً من تركيزها في مراكز مالية محددة.
هل نشهد إعادة رسم دائمة لخريطة الثروة؟
يثير هذا المشهد تساؤلات حول ما إذا كانت التحركات الحالية تمثل مجرد موجة مؤقتة، أم أنها بداية لإعادة رسم دائمة لخريطة الثروة العالمية، تقوم على التنقل الجغرافي، وتعدد مراكز الإقامة والاستثمار.
ويرى خبراء أن الاتجاه نحو تنويع المواقع الجغرافية للثروات قد يتحول إلى القاعدة الجديدة، في عالم باتت فيه الضرائب والسياسة عنصرين حاسمين في قرارات كبار المستثمرين.
المصدر: العربية



































