ملخص
يقضي كثير من البالغين في بريطانيا تسع ساعات يومياً جلوساً، وبحسب مراجعة لجامعة “برونيل” البريطانية فإن هذا الخمول يرفع مؤشرات خطر أمراض القلب والسكري حتى لدى من يلتزمون التمارين الأسبوعية، مع زيادة محيط الخصر ودهون الجسم وتدهور قراءات مثل ضغط الدم والغلوكوز والكوليسترول والدهون الثلاثية. الحل العملي يبدأ بكسر الجلوس المتواصل كل 30 إلى 60 دقيقة بحركة خفيفة أو حتى بالوقوف والمشي البطيء، لأن الانقباضات العضلية تُبقي “المفاتيح الأيضية” نشطة وتحسن المزاج والطاقة على المدى القريب وتخفض مخاطر الأمراض على المدى الأبعد.
لعلك تجلس الآن في وضعية مريحة، أليس كذلك؟ وفق إحصاءات “هيئة الخدمات الصحية الوطنية” البريطانية (NHS)، يقضي البالغون في بريطانيا ما يربو على تسع ساعات يومياً جلوساً. ولكن بحثاً جديداً أعدته “جامعة برونيل” البريطانية خلص إلى أن الجلوس المفرط من شأنه أن يلحق أضراراً بالغة بالصحة، حتى وإن كنت تلتزم بحصص التمارين الرياضية الأسبوعية الموصى بها.
كشفت المراجعة عن أن الأشخاص الذين يقضون شطراً كبيراً من يومهم في وضعية الجلوس كانوا أكثر عرضة لزيادة محيط الخصر وارتفاع نسب الدهون في الجسم. كذلك سجلوا نتائج سيئة في مؤشرات حيوية عدة مرتبطة بأمراض القلب والسكري، شملت ضغط الدم، ومستويات الغلوكوز (سكر الدم)، والكوليسترول، والدهون الثلاثية.
ويضيف الدكتور بيلي أن تلك الأخطار كانت موجودة بغض النظر عن مقدار النشاط البدني الذي كان يمارسه هؤلاء البالغون الأكبر سناً.
متى يصبح الجلوس مفرطاً؟
في الواقع، يقضي كثير من الناس ما يزيد على ثماني ساعات يومياً خلف مكاتبهم، ومع احتساب رحلة العودة من العمل وفترات الاسترخاء على الأريكة لمشاهدة التلفزيون، يتضح بسهولة سبب ارتفاع أوقات الجلوس اليومية لدى كثر منا.
“شهدنا على مدى العقود القليلة الماضية طفرة تكنولوجية وفرت لنا مزيداً من الفرص للجلوس أكثر”، يقول الدكتور بيلي، “ورافق ذلك ارتفاع هائل في معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بها”.
تشير البيانات إلى أن كبار السن يشكلون الفئة العمرية الأكثر خمولاً، لذا يحصدون على الأرجح الفوائد الصحية الأكبر من تقليص ساعات جلوسهم اليومية، غير أن الدكتور بيلي ينبه إلى أن “الأمر يستحق الانتباه لدى جميع الأعمار”، إذ تربط الدراسات التي شملت الأطفال وبالغين في سن العمل، على حد سواء، بين الإفراط في الجلوس من جهة، وارتفاع الأخطار الصحية من جهة أخرى.
“تظهر بعض الدراسات أن العتبة الحرجة للجلوس تقع بين سبع و10 ساعات يومياً”، يوضح الدكتور بيلي، مستطرداً “من هنا يبدأ خطر الوفاة المبكرة، واحتمالات الإصابة بأمراض شتى، في الارتفاع الفعلي”.
ومن البديهي أنك كلما تحركت أقل، استهلكت طاقة أقل خلال اليوم، مما يسهم في زيادة الوزن. أضف إلى ذلك أن العضلات تفقد قوتها عند عدم استخدامها، وتصبح المفاصل أكثر تيبساً، وبما أنك لا تبذل جهداً كافياً يحفز عمل القلب والرئتين أكثر، تتراجع اللياقة البدنية لديك تدريجاً.
يشير البحث إلى أن التأثيرات السلبية للخمول ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدة الجلوس المتواصل، ويؤكد الدكتور بيلي أن “عدداً من الدراسات أثبت جدوى كسر فترات الجلوس كل 30 إلى 60 دقيقة”. ويضيف أن الآلية الكامنة وراء ذلك ليست مفهومة بالكامل بعد، موضحاً أنها تتعلق بسلسلة من “المفاتيح الأيضية” التي تساعد في ضبط مستويات الغلوكوز والكوليسترول.
“إن لم تنقبض العضلات بانتظام، تتوقف تلك ’المفاتيح الأيضية‘ عن العمل، وحينها ترتفع مستويات الغلوكوز والكوليسترول في الدم، ويفقد الجسم قدرته على ضبط مستويات الضغط بكفاءة”، يوضح الدكتور بيلي.
سبل المواجهة
الطرق الأساسية لمواجهة التأثيرات السلبية للجلوس تتمثل في تقليل مدة الجلوس وضمان حدوث حركة عضلية منتظمة، أي تحريك العضلات وممارسة النشاط البدني. وبناء على بحثه، يوصي الدكتور بيلي بمحاولة الحركة بأية صورة من الصور كل 30 إلى 60 دقيقة.
“كل حركة تقوم بها تصنع فارقاً إيجابياً”، يوضح الدكتور بيلي، ويتابع: “نشرت مجموعتنا البحثية دراسات مستفيضة تبين أن فترات قصيرة ومنتظمة من النشاط الخفيف كفيلة بالحفاظ على فاعلية ’المفاتيح الأيضية’، وضمان بقاء مستويات السكر والكوليسترول أقل على مدار اليوم”.
“ليس بالضرورة أن يكون النشاط تمريناً رياضياً ممنهجاً، فمجرد الوقوف يحمل فوائد كبيرة لمن يعانون زيادة الوزن أو البدانة أو مرض السكري من النوع الثاني”، يوضح الدكتور بيلي، ويتابع “لقد درسنا أيضاً أثر المشي البطيء، وتبين لنا أن الناس يحصدون تلك المكاسب الصحية على مستوى التمثيل الغذائي من طريق أنشطة بسيطة نمارسها في حياتنا اليومية”.
“كل نصف ساعة، انهض من مكانك وتحرك لبضع دقائق، مما يساعد في تقليص خطر الإصابة بالأمراض المختلفة التي ذكرناها سابقاً”، يضيف الدكتور بيلي.
وأحد التغييرات السهلة الأخرى التي يقترحها الدكتور بيلي إعادة ترتيب مكتبك بطريقة تشجع على مزيد من الحركة.
“قد يساعدك تغيير ترتيب مكتبك بحيث لا تظل كل الأدوات في متناول يدك”، يوضح الدكتور بيلي، ويتابع “فإذا احتجت إلى قلم، أو أردت طباعة مستند أو وضع شيء في سلة المهملات، فإن وجود هذه الأغراض بعيداً من مكتبك ربما يحفزك على التحرك بصورة متكررة. وبدلاً من مراسلة زميلك عبر البريد الإلكتروني، اذهب وتحدث إليه عند مكتبه”.
يسعك أيضاً، وفق الدكتور بيلي، أن تعتزم التحرك بعد الانتهاء من مهمات معينة على الكمبيوتر.
“ربما تتجاهل أحياناً تنبيهاً من جهاز قابل للارتداء أو تطبيق يحثك على الحركة لانشغالك بمهماتك. لذا، انتظر حتى تنتهي من المهمة بين يديك، واجعل من لحظة الإنجاز هذه إشارة للنهوض والتحرك. أما إذا كنت تعمل من المنزل، فيمكنك توزيع أعمالك المنزلية على مدار اليوم بدلاً من القيام بها دفعة واحدة، واستغلال تلك الفرص للتحرك”، يوضح الدكتور بيلي.
إجنِ الفوائد
“الخبر السار أن ثمار تقليص ساعات الجلوس وإجراء هذه التعديلات الطفيفة مذهلة حقاً، فإذا ما نجحنا في الحد من خمولنا وحافظنا على نشاطنا البدني، فسننعم بحياة أطول وأوفر صحة، وهو الغرض الذي أعتقد أننا جميعاً نصبو إليه”، يختم الدكتور بيلي.
“ومن الفوائد التي ربما تلاحظها وتشعر بها سريعاً: تحسن المزاج، وزيادة الطاقة، وتراجع الشعور بالإرهاق”، يقول الدكتور بيلي، و”على المدى الطويل، تلاحظ انخفاضاً في دهون الجسم أو الوزن، نتيجة حرق سعرات حرارية أكثر من طريق الحركة”.
أما التأثيرات الأعمق، يختم الدكتور بيلي، “فقد لا تكون واضحة بالدرجة نفسها، ولكنك تجني فوائد صحية من انخفاض مستويات سكر الدم وضغط الدم. وهذا بدوره يساعد في تقليص خطر الإصابة بأمراض القلب، والسكتة الدماغية، والسكري، وبعض أنواع السرطان“.
The Independent



































