لم تتغير الملامح الأساسية للطائرات التجارية كثيراً على مدى عقود، حتى أنه يصعب التمييز بين طرازات “إيرباص” أو حتى التفريق بينها وبين “بوينغ” بالنسبة لغالبية المسافرين.
وبرغم الطفرة التكنولوجية الهائلة في الطيران التجاري، لا تزال تصاميم الطائرات تميل إلى البساطة، متمثلة في جسد طويل ونحيف، وجناحان على الجانبين، وكثير من اللون الأبيض باستثناء شعار شركة الطيران.
يختلف الأمر كثيراً في المقاتلات والقاذفات العسكرية، والتي تتمتع بتصميمات جريئة، تفرضها طبيعة مهامها. يكفي النظر إلى القاذفة الشبحية الشهيرة B‑2، ذات الشكل المثلث الشبيه ب”الجناح الطائر”، وهو تصميم مختلف تماماً عن عالم الطيران التجاري التقليدي.
لكن المفاجأة رئيس “إيرباص” غيوم فوري، كشف عن مفاجأة مستقبلية في تصميم الطائرات، حيث قال في مقابلة مع صحيفة “Bild” الألمانية في ديسمبر 2025 إن الطائرات التجارية قد تتخلى في المستقبل عن الشكل التقليدي، لتتحول إلى طائرات قريبة من تصميم ال B‑2.
يتوقع فوري تغيرات جذرية في هندسة الطائرات خلال الأربعين عاماً المقبلة، بحيث لن تكون هناك مقصورة وجسم منفصلان مع جناحين، بل جناح كبير مدمج مع مقصورة الركاب.
تبدو الفكرة غريبة، لكنها مدعومة بأسباب عملية قد تدفع شركات الطيران إلى تبني تصميم “الجناح المدمج” مستقبلاً.
لماذا اعتمدت قاذفة B‑2 تصميم “الجناح الطائر”؟
أحد أكبر تحديات الطيران هو الوزن والكفاءة الهوائية. ففي التصميم التقليدي، يوفر الجناحان قوة الرفع، بينما يضيف جسم الطائرة وزناً ومقاومة للهواء، من دون أن يساهم مباشرة في الرفع. هذا يعني أن الأجنحة عليها العمل بجهد أكبر.
أما في الطائرات ذات الجناح المدمج أو “الجناح الطائر”، فإن الجسم نفسه يتحول إلى جزء من السطح الرافِع، مما يقلل مقاومة الهواء ويزيد الكفاءة.
وما يميز التصميمين أن الطائرات ذات الجناح المدمج تحتفظ بمقصورة داخلية واضحة، لكنها مدمجة ضمن جناح عريض، بالإضافة إلى أن الجناح الطائر، وليس جسماً منفصلاً.
يوفر هذا التصميم ميزة إضافية في الطائرات العسكرية، حيث يقلص بصمتها الرادارية، ولذلك كان مثالياً لطائرة B‑2 الشبحية، وقد يصبح خياراً للجيل القادم من الطائرات العسكرية مثل ناقلات الوقود الشبحية.
وفي 2024، قال المحلل في “MTU Aero Engines”، كلاوس تسويمر، لمجلة “AeroReport” إن سلاح الجو الأميركي مهتم بشدة بناقلة بقدرات رصد منخفضة، وإن تصميم الجناح المدمج أقرب لتحقيق ذلك من التصاميم التقليدية.
تعمل شركة “Northrop Grumman”، على نموذج أطلقت عليه اسم “JetZero” والذي يتميز بقدرة رفع أعلى، مع مقاومة هواء أقل بنسبة 30%، ومناورة أفضل، مع قدرة على توفير وقود يصل إلى 50% مقارنة بالطائرات الحالية ذات الجسم الأنبوبي.
كما يتيح التصميم مساحة أكبر للحمولة أو لعدد أكبر من الركاب.
ورغم إغراءات الكفاءة، لم تتبن شركات الطيران هذا التصميم بعد، لأن الفكرة تحمل تحديات حقيقية.
قال فوري من “إيرباص”، إن الطائرة لن تحتوي على نوافذ تقليدية، وهو ما قد يسبب إرباكاً للعديد من المسافرين. فحتى لو كانت الطائرة أكثر كفاءة، يبقى كثيرون متمسكين ب”راحة” المقعد المجاور للنافذة.
حاولت شركة “نورثروب غرومان” طرح حلول على تصميمها لطائرة “JetZero” الافتراضية مثل نوافذ رقمية أو عدد قليل من النوافذ الحقيقية المتباعدة لكن المشكلات لا تتوقف عند هذا الحد.
الهندسة الداخلية للطائرة نفسها أصعب بكثير. فبحسب بورن ناغل، مدير معهد هندسة الأنظمة في مركز الفضاء الألماني، فإن شكل الجناح العريض لا يناسب تزويده بمقصورة مضغوطة، مضيفاً أن الطائرة تحتاج إلى أنبوب داخلي محكم للضغط، بينما يتطلب السطح الخارجي شكلاً انسيابياً، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً للمهندسين.
كما تواجه الطائرات من نوع “الجناح الطائر” مشكلة في التخطي فوق سرعة الصوت، نتيجة التحكم الأصعب عند سرعات عالية.
مستقبل الطيران.. إلى أين؟
ورغم انتهاء برنامج B‑2 الأميركي، فإن الاهتمام العالمي بهذه الهندسة الآيروديناميكية يزداد، سواء لأسباب عسكرية أو تجارية. ومع التطوير المستمر في المواد الخفيفة، والمحركات، والذكاء الاصطناعي في التحكم، قد يكون الجيل القادم من الطائرات أقرب إلى شكل “الجناح الكامل” أكثر مما نتخيل.
وفي حال نجحت الشركات في تجاوز التحديات، فإن الطائرات التي ستُحلق في سماء الأربعينيات أو الخمسينيات قد تبدو للمسافرين وكأنها قادمة من فيلم خيال علمي.



































