يتعرض الدولار لضغوط جديدة في الأسابيع القليلة الأولى المضطربة من 2026 مع دفع مجموعة متزايدة من العوامل، منها رغبة واشنطن في عملة أضعف، المستثمرين إلى معاودة النظر في توقعاتهم المتفائلة إزاء فترة استقرار للدولار.
واتجه الدولار اليوم الإثنين نحو أكبر انخفاض له في ثلاثة أيام مقابل سلة من العملات الرئيسية منذ نيسان الماضي، إذ أدت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما أطلق عليه “يوم التحرير” إلى عمليات بيع كبيرة للأصول الأمريكية.
وخلال العام الأول من توليه منصب الرئيس لولاية ثانية، أدى نهج ترامب المتقلب تجاه التجارة والدبلوماسية الدولية، فضلًا عن هجومه على مجلس الاحتياطي الاتحادي الذي يقوّض استقلاله، والزيادات الهائلة في الإنفاق العام، إلى تراجع الدولار بأكثر من تسعة في المئة، ليسجل أسوأ أداء سنوي له منذ 2017.
ولا يزال أداء الدولار منذ بداية العام أقل من أداء العملات الرئيسية الأخرى التي تشمل اليورو والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري.
تقلبات حادة
قالت سيما شاه، كبيرة الاستراتيجيين العالميين في برينسيبال أسيت مانجمنت، وهي شركة تدير أصولًا تزيد قيمتها على 600 مليار دولار: “هناك عدة عوامل تتضافر معًا”.
وأضافت: “لا أعتقد أن هذا الوضع يعكس اتجاهًا لبيع الأصول الأمريكية، لكن العوامل الأساسية تتحسن، وبسرعة أكبر من المتوقع”.
وخلال هذا الشهر فقط، هدد ترامب بالسيطرة على غرينلاند، وفرض مزيد من الرسوم الجمركية على الحلفاء الأوروبيين بسبب هذه القضية، كما تحرك لتوجيه تهم جنائية لرئيس البنك المركزي جيروم باول، ووجه بتنفيذ عملية لاعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو. وفي يوم السبت، هدد كندا بفرض حظر تجاري فعلي.
ورغم تراجع ترامب عن تهديداته بشأن غرينلاند وعن فرض رسوم جمركية على دول أوروبية، وتجاوز الأسواق آثار الهجوم على فنزويلا، فإن الوضع لا يزال يشوبه التوتر.
فمؤشرات تقلبات السوق لا تزال مرتفعة، ومعنويات سوق السندات هشة، لا سيما بسبب عمليات البيع المكثفة في سندات الحكومة اليابانية التي ربما تمتد آثارها إلى سندات الخزانة الأمريكية، بينما يعكس الارتفاع المتواصل للذهب إلى مستويات قياسية جديدة بحث المستثمرين عن ملاذات آمنة بديلة.
وقد تؤدي سياسات ترامب الداخلية، ومن بينها حملة على الهجرة غير الشرعية أودت بحياة مواطنين أمريكيين اثنين خلال الشهر الجاري وأشعلت شرارة احتجاجات، إلى إغلاق حكومي آخر هذا الشهر.
ويقول مارك سبينديل، كبير مسؤولي الاستثمار لدى شركة بوتوماك ريفر كابيتال في واشنطن: “يضاف خطر الإغلاق هذا إلى العوامل التي تضغط على الدولار، ويمثل سببًا إضافيًا لأي شخص قد يعيد النظر في الاستثمار في الولايات المتحدة أو التحوط من مخاطر الدولار”.
وعلاوة على ذلك، لا يزال من المتوقع أن يقدم الاحتياطي الاتحادي على خفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل خلال العام الجاري، بينما تثبت البنوك المركزية الكبرى الأخرى أسعار الفائدة أو قد ترفعها.
وفي غضون ذلك، شهدت أسواق الأسهم العالمية ارتفاعًا ملحوظًا العام الماضي، ويُعزى هذا إلى حدّ بعيد إلى الحماس المتزايد للذكاء الاصطناعي. وتراجع أداء المؤشر ستاندرد اند بورز 500 منذ تولي ترامب منصبه مقارنة بأداء الأسواق الأخرى. فارتفع المؤشر بنحو 15 في المئة منذ ذلك الحين، مقابل صعود المؤشر كوسبي في سول 95 في المئة، وتقدّم المؤشر نيكي في طوكيو 40 في المئة، ومؤشر بورصة شنغهاي بنحو 30 في المئة.
وقال كريس سيكلونا، الخبير الاقتصادي لدى دايوا كابيتال ماركتس: “يحرص مديرو الأصول على مواصلة تنويع محافظهم الاستثمارية بعيدًا عن الولايات المتحدة. من الواضح أن العديد منهم كانوا يبالغون، أو شعروا أنهم يبالغون، في الاستثمار في السوق الأمريكية”.
وأكد ترامب مراراً أن فرض الرسوم الجمركية ضروري لمعالجة الاختلالات التجارية، مع التركيز على عملات الدول الآسيوية التي تعاني الولايات المتحدة من عجز تجاري كبير معها.
ورغم الارتفاع اللاحق في قيمة الين، فقد خسرت العملة اليابانية نحو 13 في المئة أمام الدولار خلال العام الماضي.
ورغم ذلك، وبحسب مؤشر صادر عن بنك التسويات الدولية، لم يخسر الدولار سوى نحو 5.3 في المئة خلال 12 شهرًا الماضية.
وأوضح دومينيك بانينج، رئيس استراتيجية الصرف الأجنبي لمجموعة العملات الرئيسية العشر في نومورا، أن المستثمرين باتوا أكثر قلقًا إزاء انكشافهم على الدولار، وأن انخفاض العام الماضي يعود في معظمه إلى عوامل دورية مثل تباطؤ النمو.
وأضاف: “يكمن الفرق بالنسبة لي (هذا العام) في أن السياسات التي تتبناها واشنطن تبدو عدائية وجيوسياسية أكثر منها اقتصادية، لا سيما فيما يتعلق بالرسوم الجمركية”.
المصدر: رويترز



































