قبل قرن، جادل الخبير الاقتصادي فرانك نايت، في كتابه «المخاطرة وعدم اليقين والربح»، بأن بعض الحقب التاريخية تتشكل بفعل مخاطر قابلة للقياس، بينما تعاني حقب أخرى من حالة عدم يقين لا يمكن فهمها.
تتمتع نخبة دافوس عموماً بمهارة في قياس المخاطر الاقتصادية والمالية، بل إن بعضهم يجري نماذج للمخاطر البيئية أيضاً، مثل الظواهر الجوية المتطرفة.
لكن قليلين منهم يشعرون بالجاهزية لحالة عدم اليقين المحلية والجيوسياسية الراهنة، والتي تتفاقم بفعل التغير التكنولوجي غير المسبوق.
لنتأمل فقط ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية: بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد بالسيطرة على غرينلاند وفرض تعريفات جمركية، ثم بدا وكأنه يتراجع، والآن كشف النقاب عن «مجلس السلام» الذي أدهش كثيرين.
«لا نرى نهاية لهذه الاضطرابات»، هكذا عبر مسؤول المخاطر في شركة أدوية كبرى عن أسفه، مضيفاً: «بل نتوقع أن تزداد حدة الأمور».
فكيف يمكن للرؤساء التنفيذيين أو المستثمرين استيعاب كل هذا الغموض؟ بالنظر إلى ما دار في دافوس هناك أربعة دروس رئيسية يجب استيعابها:
ومن الناحية العملية، يعني هذا أن العناصر الثلاثة: «الشعبوية، والحمائية، والوطنية أو القومية المتطرفة»، وهو ما لفتت إليه كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أمام المنتدى.
وقد دفع هذا الوضع بالفعل إلى إعادة هيكلة سلاسل التوريد، نظراً لتأثير الحمائية الكبير على السلع المتداولة. لكن القومية المتطرفة قد تؤثر على القطاع المالي أيضاً.
ويظهر التاريخ أن الحروب التجارية غالباً ما تتحول إلى حروب رؤوس أموال، وهو ما أشار إليه راي داليو، مؤسس شركة «بريدج ووتر»، وقد تشهد أسواق المستهلكين تحولات أيضاً.
فعلى سبيل المثال، يظهر استطلاع جديد أجرته مجموعة «إيدلمان» للعلاقات العامة أن المستهلكين العالميين يثقون حالياً بشكل متزايد بالعلامات التجارية المحلية أكثر من الأجنبية.
ويجسد الرئيس الأمريكي هذا الأمر: فمع أن قضية غرينلاند استأثرت بمعظم الاهتمام خلال خطابه في دافوس، إلا أن اللافت للنظر هو احتفاؤه بخطط فرض ضوابط جديدة على الاستثمار العقاري الأمريكي ورسوم بطاقات الائتمان.
يأتي ذلك في أعقاب تحركات البيت الأبيض الأخيرة للتدخل في سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وكذلك قطاعات التعدين والطاقة والدفاع، لأسباب شعبوية وأمنية قومية على التوالي.
ويقول الخبير الاقتصادي نوريل روبيني متحسراً: «هذه رأسمالية دولة مضاعفة. ونحن نصبح مثل الصين»، مشيراً إلى أن هذا يتجاوز أي شيء وعد به زهران ممداني، عمدة نيويورك.
لذلك، تحتاج الشركات بشكل عاجل إلى معرفة كيفية الحصول على «ترخيص حكومي وشعبي» للعمل، حسبما أخبرتني نغاير وودز، رئيسة كلية بلافتنيك للحوكمة بجامعة أكسفورد. الدرس الثالث لقادة الأعمال والرؤساء التنفيذيين هو أنه لا يمكن لأحد أن يبقى حبيساً لأفكاره الضيقة. ولنأخذ على سبيل المثال قصة توربينات الرياح.
ففي عام 2021، أنتج تاكر كارلسون، مقدم البرامج التلفزيونية المؤيد لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، فيلماً وثائقياً انتقد فيه التوربينات بشدة واصفاً إياها بـ«الاختراع الأوروبي الشرير».
ما الدرس المستفاد هنا؟ لا تتجاهل أي شيء يقوله السياسيون، مهما بدا غريباً أو منفراً.
فبالنسبة للمديرين التنفيذيين أو المستثمرين، يعد تجاهل المخاطر الإيجابية خطيراً تماماً كإغفال المخاطر السلبية.
ولننظر إلى الولايات المتحدة مرة أخرى، فعندما أطلق ترامب العنان لسياساته المتقلبة قبل عام، أثار ذلك توقعات اقتصادية قاتمة.
ومع ذلك، وبينما كان الرئيس يتباهى في دافوس، يشهد الاقتصاد الأمريكي ازدهاراً، بفضل مزيج من التحفيز النقدي والمالي والتنظيمي.
والأكثر إثارة للدهشة، أن المسؤولين الأمريكيين أخبروا الحضور في دافوس أن النمو السنوي سيتجاوز قريباً 5 %.
قد يكون هذا تفاؤلاً مفرطاً؛ إذ يشير العديد من الرؤساء التنفيذيين الآن إلى احتمالية حدوث تباطؤ في وقت لاحق من هذا العام.
لكن هذا الأمر يظهر بوضوح مخاطر تجاهل السيناريوهات الإيجابية.
لهذا السبب، لا يخطط أي مسؤول تنفيذي تقريباً تحدثت إليه خلال أيام دافوس لمقاطعة الولايات المتحدة، بغض النظر عن آرائهم السياسية.
ولهذا السبب أيضاً يخبرني كبار المستثمرين أنهم لن يتخلوا عن الدولار، حتى لو تحوطوا بالذهب.
يعني ذلك ببساطة أن الرد العقلاني الوحيد على الاضطرابات التي أطلقها ترامب في دافوس هو التنويع المكثف، والخروج من دائرة التفكير المغلق، وإعمال الخيال بشأن المستقبل.
جيليان تيت
المصدر: فايننشال تايمز



































