في مدينة تطل على البحر وتحمل ذاكرة التجارة والنزاع معاً اتجهت الأنظار إلى مصراتة حيث وُقّعت اتفاقية شراكة استراتيجية لتطوير وتوسعة محطة ميناء المنطقة الحرة.
وجمع الحدث أطرافاً من قطر وليبيا وإيطاليا وسويسرا، وفتح نقاشاً أوسع حول موقع البنية التحتية في إعادة بناء الاقتصاد الليبي، ودور الاستثمارات العابرة للحدود في تشكيل توازنات جديدة في جنوب المتوسط.
وتعكس هذه الخطوة تحركاً مدروساً نحو الاقتصاد بوصفه مدخلاً للاستقرار، في بلد ما زالت مؤسساته تبحث عن صيغة جامعة، وفي منطقة باتت الموانئ فيها أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي في آن واحد.
الحضور القطري في هذه الشراكة يضع الدوحة في قلب مشروع إقليمي يتجاوز الاستثمار المباشر، ليمسّ قضايا سلاسل الإمداد، والتجارة، وإعادة دمج ليبيا في محيطها الاقتصادي.
شراكة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الاقتصاد
شهدت مصراتة مراسم توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية بين المنطقة الحرة في المدينة وشركات من قطر وإيطاليا وسويسرا، تستهدف تطوير وتوسعة محطة الميناء.
وجرت المراسم بحضور رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإيطالي، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري، في مشهد يعكس تعددية الأطراف المعنية بمستقبل الموانئ الليبية.
وتشير طبيعة الشراكة إلى توجّه يقوم على الجمع بين الخبرات الأوروبية ورؤوس الأموال الخليجية، ضمن بيئة ليبية تسعى إلى استعادة دورها التجاري في البحر المتوسط.
ويكتسب ميناء المنطقة الحرة في مصراتة أهمية خاصة بحكم موقعه الجغرافي، وقدرته المحتملة على أن يكون نقطة ربط بين شمال أفريقيا وجنوب أوروبا والأسواق الأفريقية.
وتعاملت الأطراف المشاركة مع الاتفاقية بوصفها إطاراً طويل الأمد، يهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتعزيز القدرة التنافسية للميناء.
وينسجم هذا التوجّه مع تحوّلات أوسع في المنطقة، حيث تتسابق الدول على تطوير موانئها كعقد رئيسية في التجارة العالمية.
قطر واستثمار الحضور الاقتصادي الإقليمي
برز الدور القطري في هذه الشراكة باعتباره امتدادًا لسياسة تعتمد على الاستثمار في مشاريع البنية التحتية ذات البعد الإقليمي. وتضع مشاركة شركات قطرية في تطوير ميناء مصراتة قطر في موقع فاعل ضمن مسار إعادة الإعمار الاقتصادي في ليبيا، من دون الانخراط في مسارات سياسية مباشرة.
وأكد رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري، في كلمة خلال المناسبة، أن الاتفاقية تعكس تطور العلاقات بين قطر وليبيا، وحرص الجانبين على استكشاف فرص استثمارية جديدة تحقق مصالح مشتركة، هذا التصريح يضع الاستثمار في إطار براغماتي، يركز على المصالح الاقتصادية، ويبتعد عن الخطاب السياسي المباشر.
ويمثل هذا التوجه جزءاً من استراتيجية أوسع لقطر في المنطقة، تقوم على توظيف الأدوات الاقتصادية لبناء شراكات طويلة الأمد، في الحالة الليبية، يكتسب هذا الحضور أهمية إضافية نظراً لحساسية المرحلة، والحاجة إلى مشاريع قادرة على خلق وظائف، وتحريك النشاط التجاري، وتعزيز موارد الدولة.
الموانئ كمدخل لإعادة تشكيل الاقتصاد الليبي
يحمل تطوير ميناء المنطقة الحرة في مصراتة أبعادًا تتجاوز حدود المدينة. فالموانئ تشكل شرايين رئيسية لأي اقتصاد يسعى إلى الاندماج في التجارة العالمية، وتمتلك ليبيا موقعاً يؤهلها للعب دور محوري في هذا المجال وتفتح إعادة تأهيل هذه المرافئ الباب أمام تدفقات تجارية واستثمارية، وتعيد تعريف علاقة البلاد بالبحر المتوسط.
وتنظر حكومة الوحدة الوطنية إلى هذه الاتفاقية بوصفها خطوة عملية في مسار تنشيط الاقتصاد، بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على النفط ويعكس إشراك شركاء دوليين من أوروبا والخليج سعياً إلى تنويع مصادر الخبرة والتمويل، وتقليل المخاطر المرتبطة بالعمل في بيئة غير مستقرة.
وفي المحصلة، تضع اتفاقية مصراتة ليبيا أمام اختبار جديد: تحويل الشراكات الدولية إلى نتائج ملموسة على الأرض، وربط الاستثمار الخارجي بإصلاحات داخلية قادرة على ضمان الاستدامة.
وضمن هذا المشهد، يبرز الدور القطري كجزء من شبكة مصالح اقتصادية تتشكل بهدوء، في منطقة لا تزال تبحث عن توازنها بين السياسة والتنمية.
المصدر: القدس العربي



































