بقلم: محمد النجم

تعتبر الجزيرة السورية واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في سوريا، وتتمتع بموارد طبيعية كبيرة، تشمل النفط، والغاز، والثروات الزراعية بشقيها النباتي والحيواني إضافة إلى الثروة السمكية، وتقدر احتياطيات النفط في المنطقة بحوالي 2.5 مليار برميل وفيها أهم حقول النفط وهي كحقل “العمر” وحقل “التنك” وحقول رميلان وغيرها، وتتركز فيها حقول الغاز لاسيما بالقرب من دير الزور والرقة وأهمها حقل “كونيكو” الاستراتيجي.
وتعد الجزيرة السورية من أهم المناطق الزراعية في سوريا، حيث تتمتع بتربة خصبة ومناخ مناسب للزراعة، وتعتبر من أهم المناطق المنتجة للحبوب في سوريا، وتشمل المحاصيل الزراعية فيها: القمح، الشعير، القطن، والخضروات، وتقدر المساحة المزروعة في المنطقة بحوالي 1.2 مليون هكتار من الأراضي الزراعية، وتعتبر الجزيرة السورية من أكبر مناطق تربية المواشي في سوريا، كالأبقار، والأغنام، والماعز.
ويساهم نهر الفرات الذي يتدفق عبر المنطقة من الشرق إلى الغرب في ري الأراضي الزراعية وتوفير المياه للشرب إضافة إلى توليد الكهرباء، ويعد من أهم مصادر المياه وأغزرها في المنطقة.

قبل عام 2011 كانت تمثل منطقة الجزيرة الدعامة الأساسية لقطاع الطاقة في البلاد، حيث كان إنتاج النفط والغاز يعد جزءاً كبيراً من إيرادات الدولة السورية، وقد تغيرت السيطرة على هذه الموارد مرات عديدة بين أطراف عدة، وخلال السنوات الأخيرة سيطرت عليها ميليشيا قسد، ما أثر بشكل كبير على حجم الإنتاج والعائدات الاقتصادية وحرم الدولة السورية من أهم وأكبر مواردها، بيد أن تحرير هذه المنطقة يمثل نقطة تحول مهمة في مسار الاقتصاد السوري.
فما هي أهمية هذه المنطقة؟ وماذا تحمل في جعبتها من ثروات؟ وكيف يمكن أن تنعكس سيطرة الدولة السورية على حقول النفط والغاز إيجاباً على المشهد الاقتصادي والمعيشي في البلاد؟
احتياطيات النفط والغاز في الجزيرة السورية

تقدّر الاحتياطيات المؤكدة للنفط في سوريا بحوالي 2.5 مليار برميل نفط، مع تركز غالبيتها في شمال شرق البلاد، وخاصة في منطقة الجزيرة السورية، وقبل الحرب كانت حقول مثل العمر، والرميلان، والسّويدية من بين الأكبر استعداداً للإنتاج بشكل تجاري، كما يقدّر إجمالي احتياطي الغاز الطبيعي في سوريا بحوالي 240 مليار متر مكعب، وتقع غالبية هذه الاحتياطيات في الحقول نفسها التي تنتج النفط، بالإضافة إلى آبار الغاز المرتبطة، مثل حقل كونيكو.
الإنتاج قبل 2011
كان إنتاج سوريا من النفط يصل إلى نحو 383,000 برميل يومياً، مع إنتاج جيد للغاز أيضاً بلغ حوالي 8.7 مليار متر مكعب سنوياً، حيث كانت حقول الجزيرة السورية تمثّل نسبة كبيرة من هذا الإنتاج بفضل عددها الكبير من الآبار والاستثمارات في البنى التحتية.
الإنتاج بين 2012–2024
في هذه الفترة انخفض الإنتاج النفطي بشكل حاد بسبب الحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، وتمكنت قوى متعددة من السيطرة على الحقول، ما أدى إلى تراجع الإنتاج إلى مستويات متواضعة جداً بحيث وصل إلى حوالي 80,000 برميل يومياً أو أقل في أحسن الفترات، وبحسب بعض التقديرات، كان الإنتاج في بعض الحقول الواقعة تحت سيطرة ميليشيا قسد يبلغ نحو 15,000 برميل يومياً فقط في سنوات الحرب الأخيرة، وتوقف إنتاج الغاز من حقول مثل كونيكو تقريباً بسبب نقص الصيانة والتدمير الناتج عن الحرب.

الأرقام والإحصاءات بعد العودة الجزئية للسيطرة
في أواخر عام 2025 أعلنت وزارة الطاقة السورية أن إنتاج النفط وصل إلى حوالي 120,000 برميل يومياً، وهو ارتفاع ملحوظ مقارنة بعام الحرب المنخفض، ورغم أن هذا الرقم لا يزال أقل بكثير من ذروة ما قبل الحرب، إلا أنه يمثل نحو 30% من مستويات 2010 تقريباً، مما يشير إلى عودة تدريجية للإنتاج، ووفقاً لتقارير وزارة الطاقة، وصل إنتاج الغاز في سوريا الآن إلى حوالي 7 ملايين متر مكعب يومياً، حيث يغذي بشكل مباشر محطات توليد الطاقة، ما يساهم في التخفيف من نقص الكهرباء وتحسين ظروف الصناعة.
وقد ساهم الإنتاج المحلي من النفط والغاز في خفض أسعار الوقود في السوق المحلية، وقلل أيضاً الاعتماد على استيراد الطاقة الأجنبية، كما ساهم أيضاً في تقليل العجز التجاري عن طريق خفض حجم واردات المواد البترولية المدفوعة بالعملات الأجنبية.
بعد عودة الحقول إلى الدولة
أعلنت الشركة السورية للبترول اليوم الأحد 18 كانون الثاني أن الجيش العربي السوري بسط سيطرته على حقول عديدة من النفط في محافظة دير الزور أهمها حقل العمر وهو أكبر حقول النفط في البلاد، فضلاً عن حقل كونيكو للغاز في شرق سوريا، وهذا الاسترداد يشير إلى “تحوّل جذري” في شكل السيطرة على الموارد، بعد سنوات من إعادة توزيعها بين قوى متناحرة طوال أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، فكيف يمكن قراءة ملامح هذا التحول؟
ما الأهمية الاقتصادية لعودة الحقول؟
1- دعم الميزانية العامة للدولة: عودة السيطرة على حقول النفط والغاز تعني إيرادات مباشرة للخزينة العامة للدولة من الإنتاج المحلي، ما يساعد في تقليل العجز المالي الناتج عن تكاليف الاستيراد، وزيادة الموارد المالية للاستثمار في القطاعات الحيوية مثل البنية التحتية، التعليم، والصحة، وتحسين سعر صرف العملة الوطنية عبر تقليل الاعتماد على العملات الأجنبية لشراء الوقود.
2– تحسين أمن الطاقة: تستفيد سوريا من الإنتاج الداخلي لتعزيز أمن الطاقة الوطني، عن طريق تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي، إضافة إلى دعم شبكات الكهرباء والطاقة الرئيسية في البلاد عبر الغاز المحلي.
3– الانتعاش الصناعي: النفط والغاز هما مدخلان أساسيان في عملية الإنتاج الصناعي، حيث تساهم العائدات في تشغيل المصانع والمحطات الصناعية، وتوفير الطاقة لشبكات المياه والنقل وقطاعات الإنتاج الزراعي، وتشجيع الصناعات التحويلية التي تعتمد على الطاقة.
4– تحسين مستوى المعيشة: زيادة إمدادات الطاقة يعني خفض تكلفة السكن والكهرباء للمواطنين، وتقليل الانقطاع المتكرر للكهرباء مما يدعم الحياة اليومية والخدمات الأساسية.
ورغم المكاسب، هناك عدة عقبات ما زالت تواجه سوريا في مجال الطاقة منها البنية التحتية المتدهورة، حيث ألحقت الحرب أضراراً كبيرة بمحطات التكرير وشبكات النقل، ما يجعل إعادة تأهيل المصافي مثل حمص وبانياس أولوية أساسية، كما أن هناك حاجة لاستثمارات ضخمة في تحديث خطوط أنابيب النفط والغاز.
في المحصلة .. يمكن التأكيد بلا أدنى شك أن عودة حقول النفط والغاز في منطقة الجزيرة السورية لسيطرة الدولة السورية ليست مجرد حدث سياسي أو عسكري؛ بل تمثل نقلة اقتصادية استراتيجية، وبفضل هذه العودة، بدأت سوريا في إعادة بناء قطاع حيوي كان أساس اقتصادها قبل الحرب، ويمكن لهذه الموارد أن تدعم الميزانية العامة، وتعزز الأمن الطاقي، وتحفز النشاط الصناعي، وتحسن مستوى المعيشة للمواطنين، لكن هذه العودة ليست نهاية الطريق؛ بل هي بداية مرحلة إعادة الإعمار والتحديث بعد سنوات من الحرب التي دمرت الاقتصاد والبنى التحتية في البلاد على مدى أكثر من 14 عاماً.




































