في وقت تبحث فيه سوريا عن مسارات للتعافي الاقتصادي، تتحول سيطرة تنظيم “قسد” على الموارد الاستراتيجية إلى أكبر عائق أمام إعادة الإعمار واستثمار الثروات الوطنية.
ويُظهر حال الجزيرة السورية واقعاً مهملاً على المستويات الخدمية والتنموية، رغم ما تختزنه من ثروات نفطية وزراعية ومائية هائلة، ما يعكس أن هذه الموارد لا تُدار لمنطق التنمية أو تحسين الواقع المعيشي للسكان، بل تُستخدم كأدوات نفوذ وسيطرة، فيما تبقى المجتمعات المحلية خارج أي مسار تنموي حقيقي.
90 بالمئة من النفط
تشير التقديرات إلى أن تنظيم “قسد” يسيطرة على نحو 90 بالمئة من إجمالي الثروة النفطية السورية، وفي مقدّمتها حقل العمر بريف دير الزور بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 80 ألف برميل يومياً، وحقول الرميلان في الحسكة التي تُقدر قدرتها الإنتاجية بنحو 90 ألف برميل يومياً.
وبحسب تصريح سابق للرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول- المهندس يوسف قبلاوي- لصحيفة “الثورة السورية”، يبلغ جمالي إنتاج سوريا من النفط حالياً نحو 100 ألف برميل يومياً، بينها 10 آلاف برميل تحت سيطرة الحكومة، و90 ألف برميل في الجزيرة السورية.
وفي قطاع الغاز الطبيعي، يسيطر تنظيم “قسد” على ما يقارب 45 بالمئة من إجمالي الإنتاج السوري، عبر حقول رئيسية أبرزها حقل غاز الرميلان الذي ينتج نحو مليون متر مكعب يومياً، وحقل غاز الجبسة بقدرة إنتاجية تقدر بنحو 1.6 مليون متر مكعب يومياً.
ولا تقتصر هذه السيطرة على موارد الطاقة فحسب، بل تمتد إلى مقومات الحياة الأساسية.
إذ تسيطر “قسد” على سد “تشرين” في ريف حلب الشرقي، ثاني أكبر محطّة كهرومائية في سوريا، بسعة تخزينية تقارب 1.9 مليار متر مكعب، إضافة إلى محطة مياه البابيري التي تؤمّن نحو 80 بالمئة من احتياجات مدينة حلب وريفها من المياه.
كما تشمل السيطرة معظم الأراضي الزراعية الخصبة شرق الفرات، والتي تُعد السلة الغذائية الأهم في البلاد، حيث تنتج النسبة الأكبر من المحاصيل الاستراتيجية السورية، وفي مقدّمتها القمح والشعير والقطن.
اقتصاد الظل
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور المهندس سامر الرحال، أن سيطرة تنظيم “قسد” على الثروة النفطية وحرمان الدولة السورية من أهم مواردها المالية يعد من أبرز أسباب “الاختناق الاقتصادي المستمر”، والذي “يتمثل بالأزمات المتكررة في قطاع الوقود والغاز والكهرباء بمناطق الحكومة السورية”، فضلاً عن استخدام هذه الثروات “ورقة ضغط سياسي واقتصادي”، والأهم من ذلك “إضعاف عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار”.
ويوضح الرحال لصحيفة “الثورة السورية”، أن تنظيم “قسد” يسيطر على معظم حقول النفط والغاز في الجزيرة السورية، خاصة في الحسكة ودير الزور وأجزاء من الرقة.
ويضيف أن أبرز الحقول النفطية الخاضعة لسيطرة تنظيم “قسد” تشمل حقل العمر وهو أكبر حقل نفطي في سوريا، وحقل التنك، وحقل الرميلان للغاز والنفط ، وحقل الشدادي، وهذه الحقول كانت قبل 2011 تمثل نحو 70-80 بالمئة من إنتاج النفط.
ويشير إلى أن تنظيم “قسد” يدير هذه الثروات عبر “اقتصاد الظل”، لافتاً إلى أن السنوات السابقة شهدت بيع النفط محلياً للنظام السوري المخلوع عبر وسطاء أو في السوق المحلية بأسعار منخفضة لا تتجاوز حد 10 بالمئة من السعر العالمي.
استنزاف الثروات
حذر الرحال من أن بقاء سيطرة “قسد” على الحقول النفطية السورية يعزز الواقع الاقتصادي الهش، ويؤدي إلى تعطل عملية إعادة الإعمار، وإلى بقاء حالة اقتصاد الظل النفطي غير الشفاف، وإلى استنزاف بطئ للثروة النفطية من دون استثمار حقيقي.
وشدد على أن النفط السوري يعد “مفتاح التعافي الاقتصادي”، واستمرار الوضع الحالي يعني حكومة بلا موارد، واقتصاد بلا إنتاج، وإعادة إعمار وتعافٍ بلا تمويل.
لذلك فإن عودة الحقول النفطية إلى الدولة السورية، “أمر لا غنى عنه للتحسن في المالية العامة، وإعادة تشغيل قطاع الكهرباء والصناعة، وفتح باب الاستثمار الضروري في هذا القطاع الحيوي الهام” وفق الرحال.
الاستثمار الاستراتيجي
أكد الرحال أن الاستثمار الاستراتيجي الضروري في القطاع النفطي بعد عودته إلى الدولة، مرتبط بالدرجة الأولى بالإرادة السياسية والقرار الاقتصادي الوطني القوي والاستثمار الذكي.
وأشار إلى أن القطاع النفطي لا يحتاج في البداية إلى الشركات النفطية العملاقة العابرة للحدود، كما أن النفط السوري ثروة وطنية وأداة تعاف اقتصادي، وليس غنيمة كما هو الآن في ظلّ سيطرة تنظيم “قسد”.
ورأى الرحال أن الاستثمار الاستراتيجي يتمثل أولاً في إعادة تأهيل الحقول وضمان استثمارها بأمان، وليس بهدف الربح البحت. ويشمل ذلك الاستثمارات الضرورية، التي تُقدّر بنحو ملياري دولار، وإصلاح رؤوس الآبار والصمامات، وإعادة تأهيل محطات التجميع (CPF)، واستبدال خطوط النقل المتهالكة، وتجهيز الحقول بأنظمة قياس ومنع تسرب، مما يرفع الإنتاج إلى 200-250 ألف برميل يومياً على المدى القريب، ليصبح القطاع النفطي أحد أهم روافد التعافي الاقتصادي العام.
وقال :إن المرحلة اللاحقة تشمل الإعمار التقني للحقول النفطية بتكلفة تُقدر بأربعة مليارات دولار، من خلال حفر آبار جديدة، واستخدام تقنيات الاستخلاص المعزز (EOR)، وتحديث أنظمة SCADA، واستعادة الكوادر وتدريبها، بما يضمن إنتاجاً مستقراً يصل إلى 350 ألف برميل يومياً، مع إطالة عمر الحقول وتحسين نوعية الخام المنتج.
وأضاف أن المرحلة الأخيرة في إعادة تأهيل القطاع النفطي تتضمن التكرير وإضافة القيمة، والتي تقدر تكلفتها بستة مليارات دولار، مشيراً إلى أن هذه المرحلة تشمل التوسع في مصافي حمص وبانياس، وبناء وحدات تكرير خفيفة قرب الحقول، مع تطوير صناعة البتروكيماويات، ما يؤدي إلى خفض فاتورة استيراد المشتقّات النفطية، وخلق وظائف صناعية، ودعم قطاعات الزراعة والنقل والكهرباء.
عبد الحميد غانم
المصدر: الثورة السورية



































