في الوقت الذي تشهد فيه شوارع طهران أضخم موجة احتجاجات شعبية تواجهها الحكومة منذ سنوات، والتي بدأت في كانون الأول عقب انهيار مفاجئ في قيمة العملة، اختارت واشنطن تصعيداً إلى مستويات غير مسبوقة، فلم يعد الأمر يقتصر على عقوبات مباشرة، بل امتد ليشمل تهديدًا جمركياً بفرض 25% على أي دولة تبقي أبوابها التجارية مفتوحة مع إيران.
لكن لغة الأرقام تكشف مشهداً أكثر تعقيداً؛ فإيران التي يحاول الغرب عزلها، نجحت في نسج شبكة تجارية ضمت 147 شريكًا بحلول عام 2022، تظل فيها الصين الشريك التجاري الأكبر، ففي عام 2025، استوردت الصين وحدها أكثر من 80% من صادرات النفط من إيران، متحديةً بذلك المساعي الأمريكية لتقويض البرنامج النووي عبر تجفيف منابع تمويله.

هل يخاطر “ترامب” بالهدنة التجارية؟
بعدما تراجع متوسط الرسوم الجمركية على البضائع التي تستوردها واشنطن من الصين إلى 30.8% بعد الهدنة التي توصل إليها البلدان في أكتوبر بشق الأنفس عقب مفاوضات استمرت طويلًا، قد يقضي التهديد الأخير على ذلك الاتفاق، وحتى قد يُلغي خطط “ترامب” لزيارة بكين في نيسان.
أدانت الصين تهديد “ترامب”، لكنها مثل بقية الدول تتريث قبل اتخاذ أي إجراء حتى تتضح كيفية تنفيذ هذا القرار، لأن الرئيس الأمريكي لم يوضح الممارسات التجارية مع إيران التي يشملها التهديد أو ما إذا كانت الهدنة التجارية مع بكين ستُعفيها من تلك الرسوم، وما إذا كانت ستضاف تلك الرسوم إلى التعريفات السابقة؟
حذر “تشو مي” الباحث البارز في الأكاديمية الصينية للتجارة الدولية والتعاون الاقتصادي أنه إذا لم تحترم الولايات المتحدة اتفاقها مع الصين، فإن لبكين الحق في اتخاذ الإجراءات المناسبة، وطرح تساؤلاً جوهرياً يعكس الفجوة المنطقية في الصراع: إذا كانت واشنطن قد تذرعت سابقاً بالعجز التجاري كمهدد للأمن القومي، ما صلة علاقات العالم التجارية مع إيران بالأمن الأمريكي؟
وبعدما أعلنت الصين أنه لا رابح في حروب التجارة، وأنه لا يمكن للإكراه والضغط حل المشكلات، أشار “تسوي شوجون” أستاذ الدراسات الدولية في جامعة “رنمين” الصينية إلى أن بكين لن تقلص تعاونها الاقتصادي مع إيران بسبب تهديد “ترامب” بالتعريفات.

ومن غير المرجح أن يضحي “ترامب” بتلك الهدنة التي مكّنته من تعزيز مشتريات الصين من فول الصويا الأمريكي، وتيسير الوصول للمعادن الأرضية النادرة، وباستقرار العلاقات مع ثاني أكبر اقتصادات العالم من أجل الضغط على إيران.
إلى جانب الشرعية، ففي الوقت الذي يترقب فيه “ترامب” بت المحكمة العليا في شرعية فرض الرئيس للتعريفات الجمركية الإضافية التي أعلنها في نيسان 2025، التي هي عُرضة للطعن القانوني، هل يسمح له باستخدام سلطات الطوارئ الاقتصادية لتنفيذ تهديده الأخير؟
لعبة الضغط وسيناريوهات الرد
التعريفة الجديدة ستُلحق ضرراً بالغاً بالولايات المتحدة ولن تغيّـر سلوك الإيرانيين قط، هذا حسب رؤية “موريس أوبستفيلد” كبير الاقتصاديين السابق لدى صندوق النقد الدولي .
لكنها تتوافق مع نهج الضغط والتهديد الذي يتبعه “ترامب” قبل عقده الاجتماعات الدبلوماسية الكبرى، حتى أن “دان وانغ” المسؤول عن ملف الصين بمجموعة أوراسيا يتوقع أن نشهد عدة جولات من الإجراءات الانتقامية المماثلة، حتى موعد زيارة الرئيس الأمريكي للصين في نيسان.
ويرى أن الصين ربما ترد على التهديد الأخير بفرض عقوبات على الشركات الأمريكية بسبب مبيعات الأسلحة إلى تايوان، أو حتى بفتح تحقيقات تتعلق بمكافحة الاحتكار ضد شركات التكنولوجيا الأمريكية العاملة في الصين، أو تشديد القيود على صادراتها من المعادن الأرضية النادرة.
ويبقى التساؤل الرئيسي: هل تهديد ترامب” الأخير مجرد أداة ضغط ولن ينفذ ما وعد به أم سيجازف بخرق الهدنة مع الصين من أجل تشديد الخناق على طهران؟
المصادر: أرقام – بلومبرج – رويترز – صحيفة “واشنطن بوست” – بي بي سي – سي إن بي سي



































