أعاد مسح الأمن الغذائي الأسري في سوريا تسليط الضوء على واقع الأمن الغذائي للعائلات السورية، من خلال بيانات رقمية حديثة؛ تعكس حجم التحديات المعيشية بين المحافظات؛ وتوفّر قاعدة تحليلية تساعد الجهات المعنية على صياغة سياسات أكثر واقعية واستجابة للاحتياجات الفعلية.
وفي هذا السياق، استضاف فندق الشام بدمشق أعمال مؤتمر عرض نتائج المرحلة التاسعة من مسح الأمن الغذائي الأسري لعام 2025، الذي أعدّته هيئة التخطيط والإحصاء بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي (WFP)، بمشاركة رسمية واسعة ضمّت: معاون الأمين العام لرئاسة الجمهورية لشؤون مجلس الوزراء علي كده، ووزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، إلى جانب عدد من الوزراء وممثلي المنظمات الدولية.
وقدمت الجهات المنفذة خلال المؤتمر عرضاً لأبرز المؤشرات الأولية، والتي بيّنت وجود تحسّن محدود في بعض المناطق، مقابل استمرار التحديات في مناطق أخرى، مع التأكيد على توجّه حكومي لتعزيز برامج دعم الأمن الغذائي، وتحسين مستوى الاستقرار المعيشي للأسر.
النتائج العامة ومستوى التحسن والانخفاض في مختلف المحافظات

أكد رئيس هيئة التخطيط والإحصاء السورية أنس سليم أن إعلان نتائج مسح الأمن الغذائي الأسري، للمرة الأولى في سوريا، يعكس توجّهاً جديداً قائماً على: الشفافية، وإتاحة البيانات أمام الرأي العام، مشيراً إلى أن دقة هذه النتائج تشكّل أساساً لبناء سياسات مستقبلية أكثر واقعية، بعد سنوات من سياسات سابقة كانت منفصلة عن الواقع المعيشي، وأسهمت في اتساع رقعة الفقر وانعدام الأمن الغذائي، بالرغم مما تمتلكه سوريا من موارد وإمكانات.
وأوضح سليم، في تصريح خاص لـ “العالم الاقتصادي” ، أن المسح نُفذ بالشراكة بين: هيئة التخطيط والإحصاء، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP) على مدى عدة أشهر، وبرعاية الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، وبدعم من الشركاء الوطنيين في الوزارات والجهات العامة والمحافظات.
وأشار إلى أن نتائج المسح أظهرت تحسناً عاماً في مستويات الأمن الغذائي مقارنة بالعام الماضي، إلا أن سوريا لا تزال تواجه انخفاضاً في هذا المؤشر لدى مختلف الشرائح الاجتماعية، الأمر الذي يتطلب استمرار الجهود الحكومية، إلى جانب تعزيز الدعم الدولي لبرامج التعافي وتحسين الأمن الغذائي.
منهجية المسح وتغطية الجغرافيا السورية
وبيّن سليم أن المسح أُنجز وفق منهجية CARI المعتمدة دولياً، وشمل 267 ناحية من أصل 272، ليغطي كامل الجغرافيا السورية للمرة الأولى، بما يوفّر قاعدة بيانات دقيقة يمكن الاستناد إليها في تصميم السياسات والتدخلات، ولاسيما للفئات الأكثر هشاشة، مثل: سكان المخيمات، النازحون، والأسر التي تعيلها النساء.
وفيما يتعلق باستمرار انخفاض مستويات الأمن الغذائي في بعض المحافظات، أوضح سليم أن ذلك يرتبط بعوامل سياسية وإدارية حالت دون تنفيذ تدخلات حكومية مماثلة لبقية المناطق، مؤكداً أن تحسّن المؤشرات في المناطق التي تخضع للإدارة الحكومية يثبت فاعلية السياسات المتبعة، وأن عودة هذه المناطق إلى الإدارة الكاملة للدولة تشكّل مدخلاً أساسياً لإطلاق المعالجات الاقتصادية والتنموية فيها، بالرغم مما تمتلكه من موارد كان يفترض أن تنعكس إيجاباً على نتائج المسح.
مؤشرات التحسن والتحديات الاقتصادية والغذائية

أكد رئيس وحدة الأبحاث وتقييم الاحتياجات والرصد في برنامج الأغذية العالمي في سوريا محمد سالم لـ” العالم الاقتصادي” أن إطلاق نتائج مسح الأمن الغذائي الأسري لعام 2025 يشكّل خطوة محورية في إتاحة البيانات أمام الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، بما يسهم في تحسين تخطيط البرامج والسياسات الهادفة إلى دعم الأمن الغذائي للأسر السورية.
وأوضح أن المسح شمل أكثر من 34 ألف أسرة في مختلف المحافظات، وتم من خلاله جمع بيانات بشأن أوضاع الأمن الغذائي، وأنماط الإنفاق والاستهلاك، ما يوفر قاعدة معلومات دقيقة تساعد برنامج الأغذية العالمي في توجيه تدخلاته، وتدعم الحكومة السورية في صياغة سياسات أكثر فاعلية.
وأشار إلى أن نتائج عام 2025 أظهرت تحسناً ملحوظاً في مستويات الأمن الغذائي، حيث ارتفعت نسبة الأسر الآمنة غذائياً من 11% في عام 2024 إلى 18% في عام 2025، مرجعاً ذلك إلى مجموعة من العوامل، أبرزها: انخفاض أسعار السلة الغذائية الأساسية بنحو 20% مقارنة بالعام السابق.
وأضاف أن زيادة التحويلات المالية من الخارج، إلى جانب استقرار الأوضاع الأمنية، والتسهيلات الجمركية ورفع الرسوم عن معظم المواد الغذائية، أسهمت_ مجتمعةً_ في: تخفيض الأسعار، وتحسين القدرة الشرائية للأسر.
ولفت إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية ترافقت مع بعض التحديات، وفي مقدمتها الجفاف الذي أثر في الوضع الاقتصادي والأمن الغذائي، معرباً عن أمله في أن يشهد العام المقبل تحسناً أكبر في حال تحسّن الموسم الزراعي وتراجعت حدة الجفاف.
أهمية نتائج المسح لتخطيط التدخلات الإنسانية وخطط الاستجابة لعام 2026

وأوضح قائد فريق مسح الأمن الغذائي في سوريا متعب مرعي لمجلة “العالم الاقتصادي” أن المسح يُنفّذ بالتعاون مع هيئة التخطيط والإحصاء ويعد من أكبر المسوحات التي تُجرى في البلاد، حيث شمل زيارة نحو 35 ألف أسرة، مع تصميم العينة لتكون ممثلة على مستوى الناحية لضمان دقة النتائج لكل السكان المقيمين ضمنها.
وأشار إلى أن المسح يُنفّذ سنوياً ويغطي كامل الجغرافيا السورية، بالتعاون مع شركاء آخرين، مؤكّداً على الدور الكبير الذي تضطلع به هيئة التخطيط والإحصاء في هذا المشروع، من حيث: التمويل، توفير البنية التحتية، الدعم الفني، المشاركة في معالجة البيانات وضمان جودتها؛ منذ مرحلة التحضير وتصميم الاستمارة؛ وحتى إعداد التقرير وعرض النتائج.
وبيّن أن هذا البحث يُشكّل خط الأساس لجميع التدخلات الإنسانية المتعلقة بالأمن الغذائي والزراعة، حيث تُستخدم نتائجه لتحديد عدد الأشخاص غير الآمنين غذائياً في سوريا، ووضع خطط التدخل وفق احتياجات كل ناحية.
وأوضح أن المسح ستتبعه ورشة عمل بشأن الاحتياج الإنساني وخطط الاستجابة لعام 2026، حيث يجتمع الشركاء من أجل: مناقشة النتائج، التحقق من دقتها، والمصادقة عليها لتغطية كامل الجغرافيا السورية، ليتم بعد ذلك مشاركة البيانات مع جميع المنظمات الإنسانية لضمان استهداف التدخلات بالشكل الأمثل.



































