بدأت مصر، اليوم الاثنين، ضخ نحو 50 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً إلى لبنان عبر خط الغاز العربي، فيما جرى توريد كمية مماثلة إلى سوريا بنهاية الأسبوع الماضي.
ويأتي ذلك ضمن ترتيبات اتفقت عليها الدول الثلاث لاستقبال شحنات الغاز المسال عبر سفينة التغويز المستأجرة من القاهرة والراسية في ميناء العقبة الأردني، على أن يتم ضخ نحو 100 مليون قدم مكعب يومياً خلال أشهر الشتاء، وفق ما أعلن الجانب المصري.
وأمس، اعتبر الرئيس السوري أحمد الشرع، أن التكامل بين سوريا ومصر “كان دائماً ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة أمنياً واقتصادياً واستراتيجياً”.
وأكد الرئيس الشرع خلال لقائه وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية في العاصمة دمشق، على هامش الملتقى الاقتصادي السوري- المصري أن العلاقة بين البلدين “ليست ترفاً بل واجباً”، داعياً الشركات المصرية إلى أن تكون من أوائل المساهمين في عملية إعادة الإعمار في سوريا.
سياق استراتيجي واقتصادي
يصف الخبير الاقتصادي الدكتور زياد عربش، الاتفاق المبرم بين سوريا ومصر، الذي ينص على توريد كميات من الغاز الطبيعي إلى سوريا كرسوم عبور مقابل تمرير خطوط الغاز والكهرباء عبر الأراضي السورية إلى لبنان، بأنه “خطوة استراتيجية مهمة لسوريا ولدول الإقليم في سياق التعاون الإقليمي للطاقة”.
ويوضح عربش لصحيفة “الثورة السورية” أن أهمية هذه الخطوة تضاعفت “خاصة بعد إلغاء (قانون قيصر) الأمريكي الذي كان يعيق التجارة مع سوريا”، مشيراً إلى أن رفع تلك العقوبات أتاح المجال لتسريع مثل هذه الشراكات الإقليمية التي تخدم استقرار المنطقة.
ويرى أن مصر، ببنيتها التحتية القوية من سفن مجهزة وسعة استقبال وترحيل عبر الأردن، تمثل “شريكاً استراتيجياً لسوريا في مختلف المجالات، وتمثل ركيزة أساسية في المرحلة الحالية التي تتطلب تعزيز التعاون الاقتصادي لتحقيق الاستقرار والازدهار في المنطقة”.
ويُبرز الخبير الاقتصادي الجانب التحويلي للاتفاق، قائلاً إنه “يمثل تحولاً نوعياً في ديناميكيات الطاقة الإقليمية، حيث يحول سوريا من مجرد ممر جغرافي إلى شريك فاعل يستفيد مباشرة من تدفقات الغاز”.
وهذا التحول لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل، بحسب عربش، له آثار اقتصادية ملموسة: “اقتصادياً: تغطي الكمية الممنوحة نحو 20-25 بالمئة من احتياجات سوريا اليومية من الغاز لتوليد الكهرباء، مما يقلل الاعتماد على الوقود الأغلى كالفيول”.
ويضيف عربش أن هذا التموين المنتظم للغاز “يعزز الاستقرار الطاقوي، ويفتح الباب لزيادة الإنتاج الصناعي، خاصة في قطاعات مثل الأسمنت والصناعات الكيميائية التي تعاني من نقص الطاقة”.
كما أن زيادة إمدادات الغاز ستترجم عملياً إلى زيادة في توليد الكهرباء، حيث يُتوقع أن “يعزز التعاون الفني، واستخدام السفن المصرية، قدرات سوريا على توليد 1000-1500 ميغاواط إضافية، مما يرفع تغطية الكهرباء من 6-8 ساعات يومياً إلى مستويات أعلى”.
أبعاد إقليمية
لا تنعكس أهمية هذه الصفقة على سوريا وحدها، بل تمتد إلى منظومة إقليمية أوسع. فمن الناحية الاستراتيجية، “يعكس الاتفاق تأثير إلغاء (قانون قيصر) الشهر الفائت، ويشجع على إعادة اندماج سوريا في الأسواق الإقليمية”.
ويرى عربش أن هذه الخطوة جزء من عملية إعادة ربط اقتصادي وتجاري أوسع، تعززها فعاليات مثل الملتقى الاقتصادي السوري-المصري.
وعلى الصعيد الإقليمي المباشر، تستفيد مصر، كمركز إقليمي للغاز، من زيادة الصادرات عبر خطوطها، مما يعزز موقعها كدولة مصدرة للطاقة ومحور لوجستي. أما لبنان، الطرف المستفيد النهائي من خط الغاز العربي، فيعمل الاتفاق على “إعادة ربط شبكته الكهربائية بعد سنوات من الانهيار”، مما يساهم في معالجة أحد أعمق أزماته الخدماتية.
وهكذا، تتحول الاتفاقية من مجرد عقد توريد إلى “نموذج للطاقة العربية المشتركة”، مشابهاً لاتفاقيات التكامل الطاقوي في الاتحاد الأوروبي، وقد يمهد الطريق لمشاريع مستقبلية أكبر في مجال الربط الكهربائي وتوليد الطاقة النظيفة.
تحديات فنية واقتصادية
يحذر الدكتور عربش من أن “المشروع يواجه تحديات فنية كبيرة”. أبرز هذه التحديات يتمثل في حالة البنية التحتية القائمة، حيث أن “خط الغاز العربي يحتاج إلى صيانة مكثفة في مراحله الأربع (العريش- العقبة- سوريا- طرابلس)، خاصة في المناطق السورية المتضررة من الحرب”.
كما أن عملية نقل الكميات المتفق عليها “تتطلب ضغطاً عالياً وشبكات توزيع فعالة، وهو أمر تفتقر إليه سوريا حالياً”، مما يستدعي استثمارات إضافية لإعادة التأهيل والترميم.
أما التحديات الاقتصادية، فمن الناحية المالية، تطرح الاتفاقية أسئلة حول الجدوى التكلفية. حسب حسابات عربش، “إذا حسبنا سعر الغاز بحوالي 6-8 دولارات لكل مليون قدم مكعبة، فإن قيمة التوريد اليومي تصل إلى 360-480 ألف دولار”، وقد لا تكون هذه الكلفة متاحة بسهولة، خاصة إذا تغيرت شروط الاتفاق أو احتاجت إلى توسيعه، فضلاً عن الحاجة إلى تمويل استثمارات البنية التحتية المكلفة في كلا البلدين، سوريا ولبنان.
وبالنسبة لمؤشر الحساسيات السياسية، يلفت عربش الانتباه إلى بُعد جيوسياسي، حيث أن “الغاز المورد جزئياً يعتمد على الخطوط المرتبطة بإسرائيل”، وهو ما “يثير حساسيات سياسية في المنطقة”، ما يضع الاتفاق في إطار التفاعلات الإقليمية الأوسع وتعقيداتها.
آفاق مستقبلية
في المستقبل، يرى الخبير الاقتصادي أن هذا الاتفاق، إذا أُحسنت إدارته وتجاوزت تحدياته، يمكن أن يكون حجر أساس لمشاريع تعاونية أوسع.
ويؤكد عربش أن الاتفاق “نموذج للطاقة العربية المشتركة”، حيث يمكن لسوريا في المدى المتوسط “تصدير فائض الغاز عبر الشبكة الإقليمية” إذا تطورت قدراتها الإنتاجية أو التخزينية.
كما يسلط الضوء على الفوائد البيئية، موضحاً أن “إنتاج الكهرباء من الغاز يقلل الانبعاثات الضارة مقارنة بالوقود السائل، ويمهد لمشاريع متجددة مشتركة مع دول الجوار”، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويشدد عربش على ضرورة الاستثمار في البنية التحتية، مشيراً إلى أن الاستفادة الكاملة من الاتفاق مرهون بضخ استثمارات كبيرة في “البنية التحتية لاستكمال كامل متطلبات الاتفاق”، ما يحتاج إلى تمويل ودعم فني إقليمي ودولي.
ويعتقد أن نجاح هذه الاتفاقية وتحويلها إلى واقع مستدام ومربح لجميع الأطراف، مرهون بقدرة الدول المعنية على معالجة ثلاثة تحديات: الفنية (إعادة تأهيل البنى التحتية)، الاقتصادية (توفير التمويل اللازم)، والسياسية (التعامل بحكمة مع الحساسيات الإقليمية).
عبد الحميد غانم
المصدر: الثورة السورية



































