يذكر أحد الموظفين تجربته المريرة في العمل، حين كان جالساً في مكتبه غارقاً بين عشرات النوافذ المفتوحة على حاسوبه، وظهر بريد إلكتروني فجأة على شاشته.
– كانت رسالة من مديره المباشر، تقول ما معناه: “هل يمكنكَ إعداد ملخص بما قمتَ به هذا العام لتبرير حصولكَ على الإجازة؟”
– هنا، شعر الموظف باتهامه بالتقصير، بالرغم من أن الإجازة تمت الموافقة عليها كتابياً بالفعل، وفي لحظة تحول من عضو في فريق إلى متهم في قفص الاتهام.

– حدق في الشاشة وتساءل في صمت: ألم أكن للتو في اجتماع نحتفل فيه بالنجاح المالي للمشروع الذي قدته؟
– لكن بدلًا من أن يبوح بذلك، فتح ببساطة مستنداً فارغاً وبدأ في تجميع جدول زمني من تقويمه، ورسائله، وقوائم مهامه.
– لم تكن القائمة انعكاساً لعمله، بل شعر وكأنه يُعد “ملف دفاع” لحماية نفسه من وصمة “التقصير” أو “عدم الكفاية”.
– أدرك جسده ما يحدث قبل أن يستوعبه عقله؛ وشعر بكتفيْه يتصلبان وأنفاسه تتلاحق، لم يكن إعداد القائمة هو ما استنزفه، بل ما كانت تعنيه.
– شعر وكأن كل ما أنجزه لم يعد له قيمة، وأنه بمجرد الضغط على زر “إرسال”، سيعود عداد الإثبات إلى الصفر، ليجد نفسه من جديد في معركة لا تنتهي لإثبات جدارته.
حين يتحول مكان العمل من واحة ثقة إلى ساحة دفاع
– يعلم هذا الموظف يقيناً أنه ليس وحده من اختبر هذا الشعور، في وقت سابق من هذا العام، تابعنا جميعاً عناوين الأخبار عن مطالبة موظفين فيدراليين في الولايات المتحدة بتقديم قوائم أسبوعية بإنجازاتهم، في ممارسة أثارت غضباً عامّاً وأدت إلى احتراق وظيفي صامت.
– لمست هذه الممارسة وتراً حساساً لسبب وجيه، عندما تعطي أماكن العمل الأولوية للتبرير المستمر على حساب الثقة الراسخة، فإنها تخلق بيئة لا تكون فيها قيمتك شيئًا تملكه، بل شيئاً عليك أن تكسبه مراراً وتكراراً، أسبوعاً بعد أسبوع.
– الأسوأ من ذلك، أن هذه اليقظة الدائمة لإثبات الذات لا ترهقنا فحسب، بل تعيد برمجة عقولنا للتركيز على المراقبة وحماية الذات. وهنا يصبح همك الأول هو توثيق ما تفعل من أجل لوحة النتائج، بدلاً من التركيز على العمل نفسه.
ماذا يقول علم النفس عن هذه المعركة الخفية؟
– هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تؤكد ما شعر به الكثيرون منا بالفطرة: لا يمكنك تقديم أفضل ما لديك عندما تشعر باستمرار أنك قيد المحاكمة.
– وفي هذا السياق، تساعدنا أبحاث “باربرا فريدريكسون” في تفسير سبب هذا الأثر المدمر، فنظريتها: “التوسع والبناء (broaden-and-build) تظهر أنه عندما يختبر الناس مشاعر إيجابية مثل الثقة أو التواصل أو الامتنان، يتوسع تفكيرهم، يصبحون أكثر إبداعاً وانفتاحاً وقدرة على مواجهة التحديات.
– فالمشاعر الإيجابية تبني “دعامات نفسية” نحتاجها للمرونة، ولكن عندما يتسلل الخوف أو الشعور بالندرة، ينهار هذا الانفتاح ويضيق تركيزنا على ما هو ملح أو مهدد، وتصبح القدرات التي نحتاجها بشدة – مثل الخيال والتعاطف ورؤية الصورة الأكبر – بعيدة المنال.
– وتضيف أبحاث “إيمي إدموندسون” حول: “السلامة النفسية” طبقة أخرى لفهمنا لثقافات العمل الفعّالة؛ فعندما يشعر الموظفون بالأمان للتحدث بصراحة، أو طرح الأسئلة، أو ارتكاب الأخطاء دون خوف من الإحراج أو العقاب، فإنهم يعملون بشكل أكثر تعاوناً ويخاطرون بذكاء.
– وعندما تتحول البيئة إلى ساحة إثبات مستمرة، ينقلب الدماغ إلى وضع الحماية الذاتية، وتتقلص غرائز التعاون والإبداع لدينا.
مؤشرات الخطر: كيف تبدو ثقافة “لست كافياً”؟
– لا تحتاج إلى مدير سام أو فضيحة مدوية لخلق ثقافة “لست كافيًا”. أحياناً تكون الأمور أكثر دقة وتأتي في صور مثل:
– مراجعات أداء تركز فقط على الثغرات والنواقص.
– اجتماعات فريق يُذكر فيها النجاح على عجل، ربما مع تصفيق روتيني، ثم يتم تجاوزها بسرعة.
– اجتماعات عامة يُحتفل فيها بالأرقام المستهدفة أكثر من الأشخاص الذين حققوها.
– ملاحظات تقييمية لا تأتي إلا عند وقوع خطأ.
– بمرور الوقت، لا تحرق هذه الثقافة الموظفين فحسب، بل تدمر ثقتهم بأنفسهم، فيبدؤون بالتشكيك في قدراتهم، وكتمان أفكارهم، وتقليص ذواتهم على أمل أن يصبحوا “مناسبين” أكثر.
الوجه الآخر: ملامح ثقافة “أنت كافٍ وقيمتك محفوظة”
– في المقابل، تعمل بعض المؤسسات انطلاقاً من إيمانها بأن قيمة الأفراد متأصلة، ويظهر ذلك جلياً في ثقافتها:
– التقدير يُقدم بسخاء وعناية، ليس كواجب روتيني، بل كلفتة ذات معنى.
– الملاحظات التقييمية تكون صادقة وبناءة، وليست مجاملة بشكل مفرط أو مراوغة.
– الأخطاء تُعامل كجزء طبيعي من التعلم، وليست كفشل شخصي.
– إظهار الاحترام واللطف هو جزء غير قابل للتفاوض من التعامل اليومي.
– ولا يُفهم من ذلك أن أماكن العمل هذه ذات معايير منخفضة؛ بل على العكس، تظل توقعاتها عالية، لكن يحظى الموظفون بالثقة لتحقيقها.
– والشاهد هنا أن الموظف لا يزدهر عندما يكون عالقًا في دائرة إثبات الذات، بل يزدهر عندما يشعر بالثقة به للقيام بما يبرع فيه، وعندما يشعر أنه مهم حتى في الأيام التي لا يعمل فيها بكامل طاقته. عندها فقط، يرغب في البقاء وتقديم أفضل ما لديه.
ما الذي يمكن للقادة فعله؟.. “روشتة”لإعادة بناء الثقة
– إذا كنت تدير فريقاً، حتى لو كان من شخص واحد، فإن كلماتك وأفعالك لها صدى أبعد مما تتخيل.
|
4 طرق لترسيخ شعور “الكفاية” في قيادتك |
||
|
ابدأ من الثقة |
|
– كن واثقًا من أن موظفيك يريدون القيام بالعمل على الوجه الأكمل. هذا هو الحال غالباً، عندما يتم تفويت موعد نهائي، اسأل “ما الذي أعاقك؟” بدلًا من “لماذا لم تنجز عملك؟”.
|
|
عامل التقييم كوقود، لا كتهديد |
|
– ابنِ حوارات منتظمة ومتبادلة حيث يأتي الثناء والنقد من منطلق الاهتمام. جرب طرح أسئلة مثل: “ما الذي يسير على ما يرام؟”، “ما الذي سيساعدك أكثر الآن؟”، أو “ما الذي يمكنني فعله بشكل مختلف لدعمك؟”.
|
|
اثن على موظفيك عند فعل الصواب |
|
– لا تنتظر مراجعات الأداء. عندما ترى شيئاً جيداً، حتى لو كان صغيراً، قُل شيئاً، رسالة سريعة، أو ذكر في اجتماع، يمكن أن يعزز السلوك الذي تريده.
|
|
انتبه إلى قوة كلماتك |
|
– إن عبارات مثل “نحن متأخرون” أو “هذا ليس جيداً بما فيه الكفاية” يمكن أن تستنزف الناس بمرور الوقت. – بدلاً من ذلك، جرب إعادة صياغتها: “إليكم ما نتعلمه، ونحن نمضي قدماً” أو “دعونا نقرر ما هو الأهم الآن”. الهدف ليس تجميل التحديات، بل التوجيه دون تثبيط.
|
– أقوى أماكن العمل هي التي تبني الثقة، وتتوقع المساءلة، وتعامل الناس على أنهم مهمون، عندما لا تكون قيمة الإنسان مطروحة للنقاش دائماً يتوقف الناس عن “الأداء” من أجل إثبات ذواتهم، ويبدؤون في “المساهمة” بكل ما لديهم.
المصدر: سيكولوجي توداي



































