يعكس ارتفاع أسعار العقارات في سلطنة عمان بنسبة 17.3% في الربع الثالث من 2025 تحولاً في الأسواق العقارية الخليجية، محفزاً بعوامل اقتصادية وسياسية متعددة الأبعاد، وفي الوقت نفسه يخلق تحديات اجتماعية واقتصادية حادة على السكان والعاملين بالقطاعات الخدمية والصناعية، حسبما أوردت بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، الجهة المسؤولة عن الإحصاءات الرسمية في السلطنة.
ويشكل هذا الارتفاع السريع للأسعار انعكاساً مباشراً لسياسات عمان 2040، وهي الخطة الوطنية الشاملة التي تركز على تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على النفط والغاز، حيث ألهمت هذه الرؤية حكومة السلطنة القيام باستثمارات بنية تحتية ضخمة، وفتح الأسواق أمام الاستثمار الأجنبي، مما خلق طلباً قوياً على العقارات السكنية والتجارية، وتشير التقارير الصادرة عن “أوكسفورد بيزنس غروب”، إلى أن هذا التحول يقود سوق العقارات نحو معدلات نمو متوقعة تبلغ 4% سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة.
ووفقاً للبيانات الرسمية التي حللتها منصة Sands of Wealth، فإن محافظة مسقط وحدها شهدت ارتفاعاً قياسياً بنسبة 48.3% في أسعار الأراضي السكنية، بينما ارتفعت أسعار الشقق السكنية على مستوى السلطنة بنسبة 22.4%.
ويتسم التأثير الاقتصادي لهذا الارتفاع على العمانيين والعاملين بالقطاعات المختلفة بالتنوع، فقد أدى الارتفاع إلى توسيع الفجوة بين القادرين على شراء العقارات والفئات ذات الدخل المتوسط، بحسب بيانات منصة مجموعة Omnia Capital، المتخصصة في تحليل الاستثمار والأسواق في منطقة الشرق الأوسط. وأوردت البيانات أن الأسعار الحالية في مسقط تتراوح بين 1000 و1200 ريال عماني للمتر المربع، ما يعني أن شراء شقة بمساحة 100 متر مربع يكلف ما لا يقل عن 100 ألف ريال عماني (حوالي 260 ألف دولار).
وبالنسبة للعمانيين ذوي الدخول المتوسطة، يمثل هذا عبئاً مالياً ثقيلاً في ظل محدودية خيارات التمويل. وفي هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، حمود الطوقي، لـ”العربي الجديد”، إلى أن ارتفاع الأسعار في قطاع العقارات بسلطنة عمان يعود في جزء كبير منه إلى التوجه الاستراتيجي الواضح لتحويل البلاد إلى وجهة جاذبة للاستثمار العقاري، حيث اكتسب هذا التوجه زخماً بعد إطلاق وزارة الإسكان والتخطيط العمراني “الاستراتيجية العمرانية الوطنية”، التي وضعت إطاراً طويل الأمد لإعادة تنظيم استخدامات الأراضي، وتطوير المدن، ورفع كفاءة التخطيط الحضري.
ويضيف الطوقي أن الإعلان عن عدد من المدن والمخططات الحديثة في مختلف محافظات السلطنة أثار موجة من الترقب والمضاربة الإيجابية، ما انعكس على مستويات الأسعار، ويعزز هذا الاتجاه تحسّن البيئة الاستثمارية عموماً، من خلال تبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، إلى جانب تنامي الطلب من المستثمرين المحليين والأجانب، لا سيما في ظل استقرار السياسات الاقتصادية، وربط القطاع العقاري بركائز “رؤية عمان 2040” كأحد المحركات الأساسية للنمو غير النفطي.
وإضافة إلى العوامل الاقتصادية، يلفت الطوقي إلى أن المكانة الدولية لعمان بوصفها دولة آمنة ومستقرة سياسياً واجتماعياً، وتمتاز بسمعتها في دعم التعايش والسلام، تعد عاملاً غير مادي يؤثر بعمق في جذب الراغبين بالعيش على المدى الطويل، لا الاستثمار المؤقت فقط، مؤكداً أن هذا الاستقرار جعل السلطنة من أكثر الدول أماناً في المنطقة، وهو ما يرفع بشكل مباشر الطلب على التملك والسكن، ويدعم استمرارية النمو في القطاع العقاري.
ومع ذلك، يحذر الطوقي من التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنجم عن هذا الارتفاع في الأسعار، إذ يسهم ارتفاع قيمة الأصول العقارية في تنشيط قطاع البناء، والتطوير، وخلق فرص عمل، لكنه في المقابل يهدد القدرة الشرائية لفئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب والمقبلين على التملك الأول، ما لم تواكبه سياسات إسكانية متوازنة وحلول تمويلية مرنة. وعلى المستوى الاجتماعي، قد يؤدي التفاوت في ملكية الأصول إلى اتساع الفجوة بين من يمتلكون عقارات ومن لا يمتلكون، ما يستدعي، بحسب الطوقي، تدخلاً تنظيمياً يحقق توازناً بين ديناميكيات السوق وحق الجميع في سكن لائق.
ويشير الطوقي أيضاً إلى أن ارتفاع أسعار العقارات ينعكس طبيعياً على سوق الإيجارات، إذ يسعى الملاك إلى تعويض تكاليف التملك والبناء، من خلال رفع الإيجارات، وهو أثر يظهر بوضوح في المناطق الحضرية الجديدة والمراكز الاقتصادية، ويشدد على أن هذا الاتجاه قد يثقل كاهل الأسر متوسطة الدخل، ما لم يتم توفير وحدات إيجارية متنوعة وبأسعار مدروسة تراعي الاحتياجات الاجتماعية.
ويخلص الطوقي إلى أن السوق العقارية في سلطنة عمان تشهد انتقالاً من نموذج تقليدي إلى سوق أكثر نضجاً وطموحاً، مدفوعة برؤية عمرانية واضحة واستقرار سياسي وجاذبية معيشية عالية، مردفاً بأن نجاح هذا التحول مرهون بقدرة السياسات العامة على تحقيق توازن دقيق بين تشجيع الاستثمار وحماية الاستقرار الاجتماعي، خاصة في ملفي الإسكان وتنظيم الإيجارات.



































