شهدت أسواق الكريبتو (العملات الرقمية) عام 2025 انهياراً حاداً ألحق خسائر فادحة بالمستثمرين الصغار إذ اجتمعت عوامل متعددة لتحويل آمال المتاجرين إلى كابوس في تحول درامي انعكس على ديناميكيات السوق الإقليمية وفي منطقة الخليج تحديداً انكمشت مشاركة المستثمرين الأفراد بشكل درامي حيث انزلقت تحويلات البيع من نمو موجب إلى انكماش وفقاً لما أورده تقرير نشرته منصة تحليل البلوكتشين تشاينالايسيس Chainalysis المتخصصة في تتبع أنماط تدفقات العملات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ولم تقتصر الخسائر على تصفيات المراكز المفتوحة بل امتدت إلى استثمارات في شركات متخصصة في تراكم بيتكوين أشهر العملات الرقمية حيث فقد المستثمرون الأفراد مبلغ 17 مليار دولار نتيجة الاستثمار في شركات مثل ميتابلانت.
وأضافت هذه الشركات خسائر إضافية بلغت حوالي 20 مليار دولار من الدفع الزائد الذي تحمله المستثمرون الأفراد لنيل التعرض للعملة الرقمية وكانت الآلية تعتمد على ما يسمى بـ “الخيمياء المالية” حيث تصدر هذه الشركات أسهما بقيمة تتجاوز بكثير الأصول الحقيقية المحتفظ بها منها ثم تستخدم رأس المال المجمع لشراء مزيد من البيتكوين وعندما انهار السوق تعثرت الأسهم وظل المستثمرون يعانون الخسائر حسبما أورد تقرير حللته شركة أبحاث 10X Research المتخصصة في تحليل الأصول الرقمية.
أدوات عالية المخاطر
يؤكد الخبير الاقتصادي والمستشار المالي علي أحمد درويش لـ “العربي الجديد” أن الأسواق الخليجية شهدت خسائر ملحوظة بين المستثمرين نتيجة التحول المتزايد نحو أدوات استثمار عالية المخاطر لا سيما في ظل غياب إدارة رشيدة للمحافظ الاستثمارية ومتابعة دقيقة لحركة الأسعار لافتاً إلى أن هذه الخسائر تفاقمت خصوصا لدى فئة المستثمرين الأفراد ممن دفعوا ديوناً لشراء محافظ مشفرة دون تقييم كافٍ للمخاطر المرتبطة بها.
ويعزو درويش جزءاً كبيراً من هذه الخسائر إلى التقلبات الحادة في أسعار الأصول الرقمية، التي تفتقر إلى الأسس الثابتة التي تُبنى عليها الاستثمارات التقليدية، إذ سجلت هذه الأصول، وعلى رأسها بيتكوين، انخفاضاً حاداً من مستويات تجاوزت 126 ألف دولار إلى ما دون 90 ألف دولار في فترة وجيزة، ما أدى إلى تآكل القيمة السوقية لمحافظ العديد من المستثمرين، خصوصاً الصغار والمتوسطين منهم.
ويلفت درويش إلى غياب البيانات الرسمية عن أي من الدول الخليجية لتحديد حجم الخسائر بدقة، نظرا لطبيعة هذه الاستثمارات غير المنظمة وارتباط جزء منها بمنصات غير مرخصة، غير أنه يقدرها بعدة مليارات من الدولارات، عدا عن خسائر إضافية ناتجة عن عمليات احتيال أو قرصنة تطاول هذه المنصات، والتي يصعب حصرها أو توثيقها إحصائياً.
ويشدد درويش على ضرورة استخلاص العِبر من هذه التجارب، إذ إن المضاربة على أدوات مالية غير مستقرة بحثا عن أرباح سريعة تعد ممارسة خطرة حتى بالنسبة للمستثمرين الواعين، وينبغي، وفق رأيه، ألا تتجاوز حصة الاستثمارات عالية المخاطر في محفظة أي مستثمر، سواء كان فرداً أو كياناً مؤسسياً، نسبة 5% من إجمالي موجوداته، مع التركيز على التنويع وضمان وجود جزء كبير من المحافظ في استثمارات ذات طابع أكثر استقراراً.
من جانبه، يرى عضو الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، فاتح بييكلي، أن خسائر المستثمرين الصغار في الخليج جراء انهيار العملات الرقمية عام 2025 تثير تساؤلات واسعة حول مخاطر الأسواق غير المنظمة وغياب الثقافة المالية، فبحلول ذلك العام كانت العملات المشفرة قد تحولت إلى محور نقاش يومي في دول الخليج، خاصة بين الشباب، حيث شكل المستثمرون لأول مرة دون سن 35 عاماً أكثر من 60% من المتعاملين الجدد في المملكة العربية السعودية والإمارات.
ومعظم هؤلاء دخلوا السوق استناداً إلى الضجة الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا إلى فهم مالي رصين، حسبما يرى بييكلي، لافتاً إلى أن النصف الأول من 2025 شهد تقلبات حادة، إذ تعرضت عملة بيتكوين لعدة تصحيحات سريعة، بينما فقدت عملات بديلة شهيرة بين 40% و80% من قيمتها في غضون أسابيع.
وتكشف بيانات البورصات الكبرى أن أكثر من 60% من المتداولين الأفراد في المنطقة واجهوا تصفيات (liquidation) لصفقاتهم على الأقل مرة واحدة، غالبا بسبب استخدام رافعة مالية مفرطة، وفي ذروة التقلبات كانت بعض المنصات تسجل اختفاء مراكز تداول الأفراد كل بضع ثوان، ما حول مدخرات تراكمت على مدار شهور أو سنوات إلى أصفار على شاشات الهواتف.
ويقدر بييكلي أن خسائر المستثمرين الصغار في الخليج خلال 2025 تراوحت بين 10 و15 مليار دولار، معتبراً أن الأمر الأكثر إيلاما لم يكن حجم الخسائر فحسب، بل هوية الخاسرين، إذ إن أغلبهم شباب مهنيون يستثمرون لأول مرة وأسر من ذوي الدخل المتوسط، دخلوا السوق متأخرين عند ذروة الأسعار، وركزوا مدخراتهم في حفنة من الرموز الرقمية المُروّج لها من مؤثرين، لا بناء على أسس اقتصادية أو بيانات موثوقة.
ويلفت بييكلي إلى أن جوهر الأزمة يكمن في طبيعة نظام العملات البديلة (altcoins) نفسه، إذ أُطلقت آلاف الرموز دون بيانات مدققة أو خطط واضحة أو حتى فرق معروفة الهوية.
ووفق تحليلات سلاسل الكتل، فقد أكثر من 70% من هذه الرموز الجديدة أكثر من نصف قيمتها خلال ثلاثة أشهر، وبعضها اختفى تماما.
وفي نظر المستثمر غير المتمرس لم تكن هذه الفرص عالية المخاطر، بل عمليات احتيال رقمية ترتدي قناع الابتكار، بحسب بييكلي، مشيراً إلى أن الرافعة المالية زادت من حدة الخسائر، فانخفاض بنسبة 20%، وهو أمر شائع في السوق، كان كافياً لمحو رأس المال بالكامل لدى من استخدم رافعة مقدارها 5 أضعاف.
كذلك أسهم وهم “العوائد المضمونة” في تعميق الأزمة، حسب تقدير بييكلي، إذ وعدت منصات غير منظمة بعوائد خيالية عبر آليات مثل التخزين (staking) أو روبوتات التداول الآلي، لكن حين تراجعت السيولة ذهبت الوعود معها.
في المقابل، أثبتت الأدوات الاستثمارية التقليدية، كالسندات وأسهم الشركات الراسخة والصناديق المتنوعة والعقار، قيمتها من جديد.
ويخلص بييكلي إلى أن التكنولوجيا لم تخن المستثمرين في 2025، بل فشلت التوقعات غير الواقعية حين غُيب الفهم عن القرار الاستثماري ووُضع الأمل محل التحليل.
المصدر: العربي الجديد



































