في زمن صارت فيه الرقائق الإلكترونية مرادفاً للسيادة، لم تعد الحروب تُقاس بعدد الدبابات بقدر ما تقاس بعدد المناجم والموانئ وخطوط الإمداد، هناك جنوباً عند مجرى أورينوكو، تتجاور براميل النفط مع الذهب والكولتان والماس في مساحة تُشبه “خزنة” مفتوحة على أطماع العالم.
وحين تتحول العولمة إلى جغرافيا اقتصادية، تصبح فنزويلا أكثر من دولة مأزومة، بل تتحول إلى عقدة اختبار للقوة من يضبط الطاقة، يقترب من ضبط التكنولوجيا، ومن يملك المعادن الحيوية يكتب شروط السوق والأمن معاً.
النفط وأطنان من الذهب والماس والمواد المعدنية التي تُستخدم في صناعات الطائرات وغيرها في “قوس التعدين في أورينوكو”، كانت وراء صراعات النفوذ “الجيو – اقتصادية” التي انتهت بالعملية العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس وزوجته.
القراءات الغربية
هذه النظرية أكدتها تحليلات غربية، نقلتها صحف ووسائل إعلام غربية منها “أكسيوس” و”فيننشال تايمز” وإيكونوميست” و”أتلانتيك كونسل”، و”ذا كونفرزيشن”، بعد عملية اختطاف مادورو، واعتبرت أن النفط والموارد المعدنية هي أحد العوامل وراء التصعيد الأميركي ضد فنزويلا، فضلاً عن أبعاد أخرى، منها كارتيلات المخدرات وصراعات النفوذ مع روسيا والصين.
وقالت مجلة “ذا كونفرزيشن”، الأميركية: إن “كل شيء سببه النفط، ولكن لأسباب مختلفة عن تلك التي حدثت في العراق، ففي عالمٍ تحوّلت فيه العولمة إلى الجغرافيا الاقتصادية، تسعى الولايات المتحدة إلى بسط نفوذها في أسواق الطاقة الدولية ولوائحها التنظيمية، وتُعدّ البنية التحتية والموانئ والمعادن في فنزويلا عناصر أساسية لتحقيق ذلك”.
وأضافت: “لا تكتفي الولايات المتحدة برغبتها في تزويد سوقها المحلي بالنفط الفنزويلي فحسب، بل تسعى أيضاً إلى فرض أسعار دولية والسيطرة على الإمدادات، وتهدف رؤيتها الجديدة إلى مواءمة السيادة على الطاقة والتطور التكنولوجي مع التجارة والأمن”.
تحالف باكس سيليكا
ويُبشّر تحالف “باكس سيليكا ” الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة والذي أعلن عنه في نهاية عام 2025 بهدف تأمين سلاسل التوريد للتقنيات الحيوية كأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، بعصر جديد من الدبلوماسية القائمة على المعاملات: رقائق الكمبيوتر مقابل المعادن.
وبالنسبة لفنزويلا “الجديدة”، ستُمكنها احتياطياتها النفطية من المشاركة في هذه الديناميكية الجديدة للقوة، وبما أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم فهذا يجعلها هدفاً استراتيجياً اقتصادياً وسياسياً في المنطقة.
وأشارت “أكسيوس” إلى أن الإدارة الأميركية ربطت الأزمة بضرورة السيطرة على نفوذ مادورو على النفط الفنزويلي واستعادة ما يعتبرونه “أصولًا ضائعة” إلى جانب اتهامات موجهة إلى النظام بالفشل في إدارة الاقتصاد وانهيار البنية النفطية.
وقال محللون: إن النفط يمثل جزءاً من الصورة الكبرى لكنه ليس السبب الوحيد أو الرئيسي، لأن إنتاج فنزويلا الفعلي حالياً صغير نسبياً في الأسواق العالمية، مما يشير إلى أن الدافع يشمل أهدافاً استراتيجية أوسع وليس النفط وحده، ويتعداه إلى الأصول النفطية هناك.
قوس التعدين في أورينوكو
إلى جانب النفط، تمتلك فنزويلا ثروة معدنية هائلة تجعلها واحدة من أكثر دول أميركا اللاتينية حساسية في الحسابات الجيوسياسية المعاصرة. فهي تقع فوق ما يُعرف بـ”قوس التعدين في أورينوكو”، وهي منطقة مساحتها نحو 111 ألف كيلومتر مربع (12% من مساحة البلاد)، أُنشئت بمرسوم رئاسي عام 2016، وغنية بالذهب والألماس والبوكسيت والحديد، إضافة إلى معادن نادرة تدخل في الصناعات التكنولوجية والعسكرية.
وخلال السنوات الماضية، فتحت كاراكاس هذا القطاع أمام استثمارات روسية وصينية وتركية، في محاولة لتعويض انهيار عائدات النفط، وهو ما أثار قلقاً متزايداً في واشنطن من تحول فنزويلا إلى منصة لاستخراج موارد استراتيجية تخشي واشنطن أن تحاول الصين وروسيا السيطرة عليها في ظل المنافسة الحامية حالياً على المعادن الحيوية.
ويضاعف الموقع الجغرافي لفنزويلا قيمة هذه الموارد، فهي تطل على البحر الكاريبي، قريبة من طرق الشحن الحيوية، وتقع على مسافة قصيرة نسبياً من السواحل الأميركية.
وهذا القرب يجعل أي حضور اقتصادي أو تقني لقوى منافسة داخل قطاعات الطاقة أو التعدين مسألة أمن قومي في المنظور الأميركي، لا مجرد منافسة تجارية.
وتضم منطقة قوس التعدين، معادن قيمة مثل الذهب والكولتان والألماس، وقد أثارت اهتماماً دولياً لفترة طويلة لكونها مصدر ثروات يمكن أن تمول حكومات أو شبكات غير رسمية.
الشرارة
في عام 2007 قام الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز بمصادرة ممتلكات شركة أميركية في فنزويلا، وهي شركة النفط المعروفة باسم “كونوكو فيليبس”، التي كانت تسيطر على ثلاثة مشاريع نفطية استراتيجية في فنزويلا “بتروزواتا وهامكا وكوروكورو”، وطرد الأميركيين متهماً إياهم مع هذه الشركة بأنهم وراء محاولتي انقلاب ضده.
وقد حكمت محكمة أميركية على فنزويلا بدفع 8.7 مليارات دولار لشركة “كونوكو” ورفضت فنزويلا الحكم، وكرد فوري فرضت أميركا عقوبات اقتصادية، وكان الحل الأخير على يد ترامب عبر حصار كامل ومصادرة لناقلات النفط، ثم غزو لفنزويلا بهدف أن تستعيد أميركا أرض ونفط فنزويلا، كما قال.
وتمثل الاحتياطيات النفطية الفنزويلية الكبيرة، نحو 17 إلى 18% من الإجمالي العالمي، لكن إنتاجها الفعلي يصل في أفضل الأحوال إلى 1 إلى 1.5% من الإنتاج العالمي.
وقال نائب رئيس المجلس الأطلسي في واشنطن جوناثان يانيكوف، لموقع “أتلانتيك كونسل”: إن “أولويات أميركا أولاً هي الهيمنة في نصف الكرة الغربي وهذا ما جعل ترامب يطبق مبدأ مونرو الجديد”.
ويرى الخبراء أن تأمين السيطرة على النفط الفنزويلي من شأنه أن يقلل من تعرض الولايات المتحدة لانقطاعات الطاقة في الخليج ويوفر حاجزاً ضد صدمات الإمداد في حالة المواجهة مع إيران، فبوجود مصدر بديل موثوق للنفط الخام الثقيل تحت نفوذها، ستكون واشنطن في وضع أفضل لاستيعاب أو تعويض تدمير أو إغلاق البنية التحتية للطاقة في الخليج أثناء الحرب.
المصدر: العربي الجديد



































