بعد سنوات من الانغلاق القسري؛ يجد القطاع الصناعي السوري نفسه –اليوم- أمام منعطف تاريخي، فمع طي صفحة قانون قيصر، بدأ المشهد الاقتصادي يتحول من “اقتصاد الصمود” إلى “اقتصاد الاستثمار”، وسط ترقب واسع من الصناعيين والعمال لنتائج ملموسة؛ تُنهي حقبة ندرة المواد الخام وأزمات الطاقة المستعصية.
فجر جديد للمدن الصناعية.. مؤشرات التشغيل
في قلب استراتيجية التعافي، تبرز أربع قلاع صناعية كبرى كركائز أساسية للنهوض: الشيخ نجار (حلب)، عدرا (ريف دمشق)، حسياء (حمص)، وباب الهوى (إدلب).
وتُشير التقارير الميدانية الصادرة عن إدارات المدن الصناعية إلى تفاوت إيجابي في نسب التشغيل، حيث تقترب مدينة عدرا الصناعية من استعادة ثلثي طاقتها الإنتاجية (نحو 65%)، تليها حسياء بنسبة إشغال وتشغيل تتجاوز 55%، مع تركيز عالٍ على قطاعي الغذاء والكيمياء.
وفي تفاصيل المشهد داخل مدينة عدرا الصناعية، أعلنت الإدارة عن وصول عدد الشركات المنتجة إلى 1003 منشآت حتى الآن؛ متوزعة على القطاعات: الغذائية، النسيجية، الكيميائية، والهندسية، وتوفر حالياً فرص عمل لـ 72,389 شخصاً، كما كشفت البيانات عن حركة عمرانية صناعية نشطة، حيث يبلغ عدد المعامل قيد البناء المباشر 2437 معملاً، في حين تم إصدار 3957 رخصة بناء خلال الفترة الأخيرة.
وعلى الصعيد المالي، بلغ إجمالي الاستثمارات في مدينة عدرا 1476 مليار ليرة سورية، بينما وصلت الإيرادات التراكمية للمدينة إلى 226 مليار ليرة، وتجاوز الإنفاق التراكمي على مشاريع البنى التحتية والاستملاك حاجز 94 مليار ليرة.
هذه المدن ليست مجرد مراكز إنتاج، بل هي “أقطاب نمو” تراهن عليها الحكومة السورية من أجل: امتصاص البطالة، وتحريك عجلة التصدير.
التدرج الواقعي و”ثورة التكنولوجيا”
وفقاً لـ ريم حللي_ مستشارة وزير الاقتصاد والصناعة، فإن الخطة تعتمد على “التدرج الواقعي”، وتؤكد حللي أن العودة لن تكون فجائية؛ حيث قالت: «التعافي سيكون مرحلياً وليس فورياً، فالهدف هو معالجة قيود الطاقة وسلاسل التوريد أولاً»، وكشفت حللي عن عودة 1500 منشأة صناعية للعمل فعلياً، وهو رقم موثق رسمياً ومرشح للنمو المتسارع مع التسهيلات الجمركية الجديدة.
من جانبه، يرى معاون الوزير محمد هريرة أن القيمة الحقيقية لإلغاء العقوبات تكمن في الجانب التقني، ووصف هريرة هذه المرحلة بأنها “ثورة حقيقية”، لكونها تمنح المصانع السورية الضوء الأخضر لاستيراد: الأنظمة الرقمية، برمجيات الأتمتة، وقطع الغيار الأصلية التي كانت محظورة لعقد من الزمن.
هذا التحول التكنولوجي هو المفتاح لـ: رفع كفاءة الإنتاج بنسبة تقدر بـ 30% وتقليل الهدر الفني.
بوصلة الاستثمار.. 14 مليار دولار على الطاولة
لم يعد الحديث عن الاستثمار الأجنبي مجرد طموحات، فقد شهدت الأسابيع الأخيرة تحركات دبلوماسية واقتصادية مكثفة؛ أثمرت عن:
– مذكرات تفاهم استراتيجية: بقيمة تقديرية تصل إلى 14 مليار دولار.
– شركاء إقليميون: تدفق اهتمام استثماري من( قطر، السعودية، الإمارات، وتركيا).
– قطاعات الأولوية: يتوزع الثقل الاستثماري بنسبة 40% على قطاع الطاقة، و30% للبنية التحتية واللوجستيات.
تعتمد الدولة حالياً مبدأ “الشراكة بين القطاعين العام والخاص” (PPP)، حيث يتم منح القطاع الخاص فرصة إحياء المنشآت الحكومية المتعثرة، ما يضمن تدفق السيولة من دون إرهاق الموازنة العامة.
التحديات القائمة.. الكهرباء هي العقدة
بالرغم من التفاؤل؛ تبقى تكاليف الإنتاج هي التحدي الأكبر، فاستمرار العجز في الطاقة الذي يقدر بآلاف الميغاواطات؛ يرفع التكاليف؛ ويحد من قدرة المصانع على العمل بنظام الورديات الكاملة، ومع ذلك؛ تعول الحكومة على مشاريع الطاقة الكبرى المخطط لها؛ ضمن مذكرات التفاهم الأخيرة لكسر هذه الحلقة المفرغة.
إن الصناعة السورية – اليوم- لا تستعيد مكانتها فحسب، بل تعيد صياغة هويتها لتتواءم مع متطلبات السوق العالمية الحديثة.
إن النجاح في هذه “المرحلة الاختبارية”؛ يعتمد على: سرعة تفعيل القنوات المصرفية، وتحويل مذكرات التفاهم إلى مصانع منتجة على أرض الواقع.



































