لم تنهَر العملة الوطنية الفنزويلية (البوليفار) بين ليلة وضحاها، بل استغرقت عقوداً طويلة من الضغوط الاقتصادية والعقوبات والحصار والنزاعات الداخلية انتهت بانهيار العملة بشكل صادم.
وبمعزل عن مرحلة الازدهار التي مرّت بها فنزويلا حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي حين كان سعر البوليفار الفنزويلي يوازي حينها قرابة 2 دولار فقط، فإن العملة الوطنية بلغت مطلع عام 2025 مستوى 52 بوليفار مقابل الدولار واستمرت بالتدهور إلى محيط 560 بوليفار مع مطلع عام 2026 أي بتراجع بلغ 977 في المئة خلال عام واحد، وتراجعت معها مستويات الحد الأدنى للأجور إلى دولار واحد شهرياً، وهو تراجع هائل في عملة دولة تملك الحصة الأكبر بالعالم من الإحتياطات النفطية، دولة لم تواجه حروباً عسكرية خارجية أو كوارث طبيعية كبيرة.
أرقام صادمة
يعكس سعر صرف العملة الفنزويلية، البوليفار، عمق الأزمة التي تعيشها البلاد في الوقت الحالي، وتقدم بيانات صندوق النقد الدولي صورة واضحة عن الأزمة في فنزويلا، وذلك وفق آخر البيانات المتاحة للصندوق في تشرين الأول من العام الجاري حيث:
بلغت نسبة التضخم السنوية نحو 270 في المئة وهي الأعلى في العالم، ومن المتوقع، وفق تقديرات الصندوق، أن تصل هذه النسبة إلى 680 في المئة في العام المقبل 2026.
بلغت نسبة البطالة في فنزويلا نحو 35.6 في المئة وبلغ الناتج المحلي الإجمالي للدولة الغنية بالنفط 82.77 مليار دولار سنوياً واقتربت نسبة نموه السنوية من الصفر، إذ لم تتجاوز 0.5 في المئة.
بلغ متوسط دخل الفرد في فنزويلا نحو 3 آلاف دولار سنوياً، وبلغ إجمالي الديون الحكومية نحو 164 مليار دولار. في وقت يكافح فيه الفنزويليون وتعدادهم الإجمالي 26.6 مليون نسمة للحصول على احتياجاتهم الأساسية.
فقراء فنزويلا
ومع التضخم الجامح وانهيار سعر صرف العملة المحلية أصبح أكثر من 86 في المئة من الفنزويليين يعانون من الفقر، وفق صحيفة فايننشال تايمز ويتقاضى العاملون، الذين يحصلون على الحد الأدنى للأجور أقل من دولار واحد شهرياً، تقريباً نحو 60 سنتاً، وفق سعر الصرف الرسمي للبوليفار مقابل الدولار، وتقدم الدولة مكافأة شهرية لأصحاب معاشات التقاعد تبلع نحو 50 دولاراً شهرياً، حسب ما أوضحت فايننشال تايمز.
ولتوضيح معاناة الفنزويليين لشراء الطعام، ذكرت فايننشال تايمز أنه حالياً في متاجر العاصمة كاراكاس:
– يبلغ سعر 30 بيضة نحو 6.40 دولارات أميركية.
– يبلغ سعر كيلوغرام من الجبن نحو 10 دولارات، وفق سعر صرف البوليفار حالياً.
مما يعني أن أغلب الفنزويليين القادرين على العمل لا يستطيعون شراء كل ما يحتاجون إليه من طعام، علاوة على وجود نسبة كبيرة من البطالة.
مراحل تراجع العملة
كان سعر صرف البوليفار في سنوات ما قبل عام 2009 في حدود 2.15 بوليفار للدولار الواحد، قبل أن يتراجع عدة مرات، اعتباراً من عام 2009، ليصل إلى 4.3 بوليفارات للدولار الواحد، ثم 6.3 بوليفارات للدولار في العام 2013، حسب بيانات موقع “فنزويلا أناليزيس” المتخصص في متابعة التطورات في فنزويلا.
ومع انخفاض سعر النفط من 100 دولار للبرميل إلى 40 دولاراً في صيف 2014 دخلت فنزويلا في أزمة اقتصادية واسعة، كان على الرئيس الحالي نيكولاس مادورو، الذي تولى الحكم في 2013، اتباع سياسات مختلفة لاحتواء آثارها.
لكن مادورو لم يفعل حرصاً على إرضاء القاعدة الشعبية التي يستند إليها تماماً كما فعل الرئيس السابق هوغو شافيز، فاتسع نطاق الأزمة، وفق المرصد الاقتصادي، مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة كبيرة بلغت 17 في المئة في عام 2016 و16 في المئة في عام 2017، وكانت النتيجة أن طلبت الحكومة من البنك المركزي التوسع في طباعة النقود بصورة أدت إلى زيادة كبيرة في المعروض النقدي، وهو ما أدى بدوره إلى ارتفاع كبير في مستويات التضخم، وتراجع قيمة البوليفار إلى مستوى 10 بوليفارات للدولار الواحد، وفقاً لموقع “إكس شانج رات” البريطاني المختص بأسعار العملات في مطلع عام 2017.
وارتفعت الأسعار بنسبة 50 في المئة شهرياً بحلول تشرين الثاني عام 2017، مع استمرار طبع النقود بشكل يفوق كثيراً حجم الناتج المحلي الإجمالي، مما تسبب في دخول فنزويلا مرحلة من التضخم الجامح.
حذف أصفار العملة
بعد انهيار العملة قررت الحكومة في فنزويلا في العام 2018 حذف 5 أصفار من البوليفار، وإصدار عملة جديدة، إذ كان سعر الدولار قبلها يعادل مليون بوليفار، وأصبح 10 بوليفارات، وانخفض سعر الصرف لاحقاً ليصل إلى 40 بوليفاراً بنهاية عام 2017، واستمر التراجع ليصل إلى 43 بوليفاراً للدولار الواحد في عام 2018.
ضربة قاسية
وكانت الضربة القاسية التي تلقاها اقتصاد فنزويلا هي العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2019، خلال فترة رئاسته الأولى، على شركة النفط الفنزويلية، وأدت فعلياً إلى منع كاراكاس من بيع النفط بشكل رسمي في الأسواق العالمية.
ومنذ ذلك الحين استمرت ضغوط ترامب على مادورو وصولاً إلى اعتقاله وزوجته. الأمر الذي من شأنه تعميق معاناة الفنزويليين مع ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة العملة، في الوقت الذي ترقد فيه بلادهم على ثروة نفطية هائلة.
وفي ظل هذه الأوضاع استمرت العملة الفنزويلية في التراجع وسجل البوليفار مزيداً من التدهور ليبلغ 304 مقابل الدولار وهو السعر الرسمي في حين يتم التداول فعلياً بالبوليفار وفق سعر السوق السوداء الذي يتجاوز مستوى 560 بوليفار للدولار الواحد.
المصدر: المدن



































