وضعت سلطنة عُمان أرقامها على الطاولة لا بوصفها بيانات مالية صمّاء بل كخريطة طريق لاقتصاد يُعاد تشكيله بجرأة محسوبة.
وكشفت الحكومة في مؤتمر صحافي حمل رسائل سياسية واقتصادية كثيفة عن الإطار المالي لخطة التنمية الخمسية الحادية عشرة (2026–2030)، وميزانية 2026، والنتائج الأولية لميزانية 2025، لتبدو الصورة العامة كتحوّل من إدارة العجز إلى صناعة النمو، ومن التقشف الدفاعي إلى الاستثمار الهجومي.
وكان العنوان الأبرز في هذا المشهد الاستثمار: إنفاق عام يقترب من 12 مليار ريال عماني في 2026، وحزمة استثمارات إضافية تُقدّر بـ 15.6 مليار ريال لإنجاز مستهدفات الخطة الجديدة. أرقام بهذا الوزن لا تُقرأ منفصلة عن سردية أكبر: تثبيت الاستقرار، توسيع قاعدة الإنتاج، وخلق وظائف على نطاق واسع.
الإنفاق أولاً… ثم النمو
قدّرت الحكومة إجمالي الإيرادات العامة لعام 2026 بنحو 11.447 مليار ريال عماني على أساس متوسط سعر نفط عند 60 دولارًا للبرميل، بزيادة 2.4% عن المعتمد في 2025. في المقابل، بلغ الإنفاق العام 11.977 مليار ريال، مرتفعًا 1.5%، ما أسفر عن عجز مقدّر عند 530 مليون ريال، أقل بنسبة 14.5% من عجز 2025.
ولا يُقدَّم العجز هنا كفجوة مقلقة، بل كنسبة منضبطة: 4.6% من الإيرادات و1.3% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويعكس هذا التوازن الدقيق بين الإنفاق والتحكم بالعجز فلسفة مالية واضحة: ضخّ المال في مسارات قادرة على توليد قيمة مضافة، مع الحفاظ على مؤشرات كلية مستقرة. واللافت أن التضخم بقي ضمن نطاق منخفض، بمتوسط 0.9% حتى نوفمبر/ تشرين الأول الماضي، مدعومًا بسياسات حماية الأسعار الأساسية والطاقة والخدمات.
قطاعات تقود المشهد
لم تكتف الخطة الخمسية الحادية عشرة بتحديد أرقام، بل رسمت خريطة أولويات. الصناعات التحويلية، والسياحة، والاقتصاد الرقمي تتصدر القطاعات المحرّكة، بوصفها محركات نمو وتوظيف وإيرادات. وإلى جانبها تقف قطاعات داعمة ومُمكِّنة: التعدين، والأمن الغذائي، والطاقة المتجددة، والنقل واللوجستيات، والتعليم والصحة. هذا التوزيع يعكس تحوّلًا بنيويًا من الاعتماد على مورد واحد إلى سلة متنوعة من الأنشطة ذات الأثر المتبادل.
وتشير التقديرات إلى أن الخطة تتطلب 15.6 مليار ريال استثمارات إضافية لتحقيق نمو مستهدف عند 5%، مع معدل نمو متوقع في 2026 يبلغ 4%، وتضخم عند 1.4%، ونسبة استثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية تصل إلى 28%، وتدفقات استثمار أجنبي مباشر عند 11%.
الوظائف… العنوان الاجتماعي الأكبر
في قلب هذه المعادلة يقف ملف العمل. حصيلة الخطة السابقة (2021–2025) سجّلت 175 ألف فرصة وظيفية. فيما ترفع الخطة الجديدة السقف إلى 300 ألف فرصة خلال خمس سنوات، بمعدل 60 ألف وظيفة سنوياً، تتوزع بين 10 آلاف في القطاع الحكومي و50 ألفًا في القطاع الخاص.
ولا يحمل هذا الرقم بعدًا اقتصاديًا فحسب، بل يعبّر عن رهان اجتماعي على تحويل النمو إلى دخل وفرص واستقرار.
أرقام السوق تقول كلمتها
عززت المؤشرات السوقية هذا الخطاب، حيث بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر حتى الربع الثالث من 2025 نحو 30.3 مليار ريال، بزيادة 71% عن الفترة ذاتها من 2021.
وقفزت قيمة بورصة مسقط السوقية بنحو 60% مقارنة بعام 2020 لتتجاوز 32.2 مليار ريال، بينما ارتفعت التداولات بأكثر من 1013% إلى ما يزيد على 4.9 مليار ريال، في أداء وضع السوق بين الأفضل خليجيًا والرابع عالميًا، وفق تقرير دولي صدر في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
هذه الأرقام لا تعمل بمعزل عن الاقتصاد الحقيقي. الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة المتوقع حتى نهاية 2025 بلغ 39.2 مليار ريال مقابل 34.5 مليارًا في 2021، بنمو تراكمي 14% منذ بداية الخطة.
رؤية حتى 2030
ما بين ميزانية 2026 وخطة 2030، تبدو عُمان وهي تعيد هندسة اقتصادها على إيقاع الاستثمار والإنتاج والتوظيف. الإنفاق الكبير ليس هدفاً بذاته، بل أداة لإطلاق قطاعات، وتوسيع قاعدة الإيرادات، وتحصين الاستقرار الكلي. والرسالة الأوضح أن أكبر المبالغ خُصصت للاستثمار والتنمية، باعتبارهما الطريق الأسرع لتحويل الأرقام إلى واقع، والميزانيات إلى حياة يومية أكثر اتساعًا.
وفي محصلة المشهد، لا تبدو الخطة الجديدة صفحة تقنية في دفاتر المالية العامة، بل فصلٌ درامي من قصة اقتصاد يختار أن يتقدّم بثقة، مستندًا إلى أرقام صلبة، ورؤية واضحة، ورهان طويل النفس حتى نهاية العقد.
المصدر: القدس العربي



































