تندرج خطوة تبديل العملة في سوريا ضمن مسار لإعادة بناء الثقة بالنظام النقدي وضبط السيولة، وسط بيئة اقتصادية معقدة مليئة بالتحدّيات ويؤكد الخبراء أن نجاح العملية يعتمد على استقرار سعر الصرف، وتوفير السيولة الكافية، وتعزيز حضور الليرة في المعاملات اليومية، مع رقابة مستمرة وتدخّل فوري عند الحاجة لمنع نشوء سوق سوداء موازية.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن تبديل العملة في الحالة السورية ليس خياراً تقنيّاً معزولاً، بل فرضته مجموعة متداخلة من الظروف السياسية والاقتصادية والنقديّة التي تمرّ بها البلاد.
ويربط عايش هذا الإجراء بالتوافق مع بنية تحتيّة نقديّة جديدة تقودها سلطة نقديّة تتحمّل مسؤوليات كبيرة، وأيضاً بمعالجة آثار التضخّم التي أنهكت العملة الوطنية خلال السنوات الماضية.
ويقول عايش لصحيفة “الثورة السورية” إن استبدال العملة يمكن أن يلعب دوراً إيجابياً، ولو على المستوى النفسي، في تحسين الأداء الاقتصادي والاجتماعي والنقدي، باعتباره جزءاً من عملية أوسع تهدف إلى إرساء قواعد مالية ونقدية جديدة تتناسب مع مرحلة مختلفة كلياً عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.
إجراءات لمواكبة التحوّل
يؤكد عايش أن تبديل العملة أملته الظروف السياسية الجديدة والاعتبارات الفنيّة، إضافة إلى المتغيرات الاقتصادية والتضخمية، ليغدو إجراء جوهرياً في بناء الإطار النقديّ الجديد في سوريا، بغضّ النظر عن كون شريحة محدودة فقط تمتلك مدخرات نقدية.
ويشير إلى أن الإشكالية لا تكمن في حجم أو قيمة ما يملكه الأفراد من نقد، بل في ضرورة الانسجام مع متطلبات المرحلة الاقتصادية المقبلة، إذ يُعدّ استبدال العملة إجراءً عاجلاً وفعلياً يواكب التحوّل الجاري.
ويرجح أن يشعر بعض الأفراد بالضرر نتيجة اضطرارهم لإخراج مدخرات احتفظوا بها في منازلهم، إلا أن هذه الاعتبارات تبقى تقنيّة ولا تؤثر في النتيجة النهائية لتبديل العملة من حيث دورها الاقتصادي والنقدي والمالي في تثبيت القواعد الجديدة.
ويلفت عايش إلى أن السياسات السابقة كان لها أثر واضح في تشكيل سلوك المواطنين تجاه العملة الوطنية، إذ فضّل كثيرون الاحتفاظ بالعملات الأجنبية نتيجة التراجع المستمر في قيمة الليرة، فيما باتت العملة السورية في بعض مناطق البلاد ذات تأثير محدود أو شبه معدوم.
وقد لا يكون بعض الأفراد اليوم معنيين بتبديل العملة لامتلاكهم مدخرات بعملات أجنبية، إلا أن القاعدة العامة تظلّ قائمة، وهي إحلال عملة جديدة محلّ أخرى قديمة، وهو سلوك اقتصادي طبيعي ومعروف في تجارب الدول المختلفة.
سعر الصرف والسوق السوداء
يردّ عايش على سؤال حول مخاطر اندفاع المواطنين نحو السوق السوداء بالقول إن المسألة ترتبط أساساً بمستوى الثقة بالعملة الجديدة، وأن تثبيت سعر الصرف، مع توفّر السيولة المستمرة من العملة الجديدة سواء بالليرة السورية أو بالعملات الأجنبية، يشكّل الضمانة الأساسية لعدم نشوء سوق سوداء موازية.
وأشار إلى ضرورة توفير العملة الجديدة بكميات كافية لجميع المواطنين والتجار ورجال الأعمال والزائرين في مختلف المنافذ والمناطق، مع التأكيد على سعر صرف ثابت وواضح.
وأضاف أن السوق السوداء تعكس في جوهرها عدم كفاءة النظام النقدي أو عجزه عن تلبية الاحتياجات، وكلما كانت السلطات النقدية متنبهة لأهمية هذه المسألة، تراجعت احتمالات لجوء الأفراد إلى القنوات غير الرسمية.
شروط الثقة
يؤكد عايش أن نجاح تبديل العملة في تنظيم الكتلة النقدية دون الإضرار بالثقة المصرفية يتطلب أن تكون العملة الجديدة قابلة للتداول العام في جميع المعاملات، وأن يُثبّت سعر صرفها بشكل دائم وعلني في كل المنافذ.
كما يشدد على أهمية امتلاك مصرف سوريا المركزي احتياطيات كافية من العملات الأجنبية، وضمان حريّة إدخال وإخراج العملة دون قيود تحدّ من فعاليتها، إضافة إلى ضرورة التزام الحكومة باستخدام العملة المحلية في تعاملاتها، وتعزيز حضور الليرة السورية في التبادل التجاري.
ويعتقد أن شعور المواطنين بوجود عائد حقيقي من التعامل بالعملة الجديدة، سواء عبر تراجع معدلات التضخّم أو من خلال سياسات فائدة متوازنة تشجع على الادخار، يُعد عنصراً حاسماً في ترسيخ الثقة بها.
ويخلص عايش إلى أن تبديل العملة تجربة جديدة يجب أن تخضع للرقابة المستمرة والتقييم الدائم، مع توفير تغذية راجعة من السوق، واستعداد مسبق لدى مصرف سوريا المركزي للتدخل عند الحاجة، ضمن خطوات واثقة ومبنية على توقعات إيجابية للاقتصاد السوري في المرحلة المقبلة.
وعد ديب
المصدر: الثورة السورية



































