١- في الأمور التقنية للاستبدال
بالفعل يُعد استبدال العملة القديمة بجديدة في سورية خطوة استراتيجية لتنظيم التداول النقدي وتيسيره في حيث يمر الاقتصاد بأدق مراحله، وليس كما يفهمها البعض بأنها عملية تقنية ودون إحداث صدمة في سلوك الفعاليات الاقتصادية والمواطنين، فعلياً ولطمأنة الجميع، الوضوح والمتابعة اليومية عاملان رئيسيان لنجاح العملية ويجب تقليص مدة التبديل من خمس سنوات إلى ستة أشهر فقط، مع تحديد جدول زمني واضح وغير مفاجئ، فطبع العملة الجديدة ليس “كطبع طوابع بريدية”، حيث يفترض بأن تكون عملية مدروسة وبموارد كافية متوفرة.
عملياً، ستواجه جميعاً تحديات في التكيف مع الحسابات اليومية، خاصة في الأسواق حيث سيحدث اختلاطات عديدة أثناء التحويل بين العملة القديمة والجديدة، مما قد يؤدي إلى خلافات أو محاولات تدليس.
على سبيل المثال، سعر سلعة بـ50,000 ليرة قديمة يصبح 500 ليرة جديدة، لكن الفروق في العمليات الحسابية مثل الجمع أو الطرح ستتطلب وقتاً للتعود، خاصة لكبار السن أو غير الملمين بامور الحسابات.
كما يتطلب تحديث الأجهزة المالية مثل أجهزة الصرف الآلي ونقاط البيع (POS)، بالإضافة إلى تسوية المدفوعات الحكومية والخاصة، مما يستغرق أشهراً، وتلعب المصارف ومكاتب الصرافة دوراً حاسماً كجسر بين العملة القديمة والجديدة، حيث يسهلون التبادل الآمن والسريع.
٢- التأثير على أسعار السلع والخدمات
إن إصدار العملة الجديدة بعد حذف الصفرين (مثل تحويل 10,000 ليرة قديمة إلى 100 ليرة جديدة) لن يغير القوة الشرائية الفعلية للنقود بين أيدينا، فهو إجراء لتبسيط التعاملات.
في البداية، ومن المتوقع جداً حدوث ارتفاع طفيف في الأسعار بسبب “تأثير التقريب” أو الارتباك في السوق، حيث يقوم التجار بتعديل الأسعار لأرقام مستديرة جديدة، كما حدث في تركيا عام 2005 أو البرازيل سابقاً، وستُجرى تعديلات في الأسعار والفواتير والأجور لتتناسب مع الأرقام الجديدة، لكن التشتت الأولي سيعيق التدفق التجاري لأيام.
كما في تجربة إيران حيث أعادت العملة عدة مرات (حذف 4 أصفار عام 2020) لكن الأسعار ارتفعت بسرعة بسبب التضخم المستمر، وفنزويلا التي حذفت 6 أصفار عام 2018 ثم أضافت صفرا آخر عام 2021 مع تفاقم الانهيار النقدي.
٣- الإيجابيات والسلبيات
كايجابيات وعلى المدى القريب والهدف المرجو (تقليل التضخم الزائد، تسهيل المعاملات اليومية، وتعزيز الاستقرار النقدي من خلال تقليص الاعتماد على العملات الأجنبية) سيتوافق ويجب أن يتوافق مع الغايات على المدى البعيد، كبناء الثقة في الاقتصاد السوري، وتشجيع الاستثمار المحلي، والإيفاء بشروط لإصلاحات المالية الاوسع كالرقمنة والاندماج في الأسواق الإقليمية، وبالتالي فإيجابيات العملية:
– تنظيم السوق النقدي وتقليل الاحتكار.
– تعزيز الثقة بالمصرف المركزي كجهة موثوقة.
– دعم الاقتصاد الرسمي وتقليل الاقتصاد الموازي.
أما السلبيات المحتملة فقد يواجه الاقتصاد ككل مقاومة أولية بسبب الارتباك، خاصة إذا لم يُدار بشفافية، أو يؤدي إلى ضغوط مؤقتة على السيولة إذا لم تُدار المخزونات جيداً وأهمية كل ذلك تكمن في:
• دعم السيولة النقدية أثناء الانتقال.
* تعزيز الشفافية من خلال تسجيل المعاملات خاصة لانتشارها الجغرافي الواسع.
* بناء الثقة بالمصارف عبر تدريب الكوادر ودمجهم في الإشراف الرسمي على عمليات التبديل.
٤- القدرة الشرائية
اقتصادياً، الأمر برمته لا يحل مشكلة التضخم الأساسية في سورية -المتراكمة أثناء الحرب- وقد يشعر المواطنون بتأثير نفسي إيجابي في البداية، إذ يشعر الناس بـ”غنى وهمي” من انخفاض عدد الأصفار، لكن القدرة الشرائية تبقى كما هي ما لم يُعالج الاقتصاد جذرياً، فتجربة إيران أظهرت أن حذف الأصفار لم يوقف فقدان القوة الشرائية، وفنزويلا شهدت انهياراً كاملاً رغم التعديلات المتكررة.
٥- التأثير على الاقتصاد ككل والاستثمارات
على المدى القصير، لا يُتوقع نمو اقتصادي ملحوظ، لكن على المدى الطويل، يمكن أن تكون فرصة لتطوير مستدام إذا صاحبتها إصلاحات هيكلية وعلى رأسها عودة عمليات الإقراض ومكافحة التضخم وجذب الاستثمارات.
اقتصادياً، حذف الأصفار يبقى خطوة تنظيمية لتبسط العمليات الحسابية وتقلل التكاليف الإدارية، لكونها لا تحل مشاكل التضخم أو تقلبات العملة الناتجة عن العقوبات والفساد، إذا لم تصغ الدولة الخطة الإستراتيجية الاقتصادية التي طلب انتظارها.
كما أن استعادة الثقة بالليرة لن يتم إذا لم يترافق باستقرار سياسي، وفتح فرص لنمو قصير الأمد عبر تسهيل التجارة الداخلية، وعلى المدى الطويل، يفُترض أن تكون العملية برمتها بوابة لتطوير مستدام وتنفيذ للإصلاحات الهيكلية ودعم الزراعة والصناعة، وجذب استثمارات أجنبية في الطاقة المتجددة، والمساهمة في إصلاح القطاع المالي بتقليل الدولرة غير الرسمية، وبناء الثقة بالاقتصاد السوري من خلال حوارات دورية مع كل الفعاليات الاقتصادية وتعزيز الاستقرار.
فتعامل السوريون مع التغييرات يتطلب حملات توعية حكومية وشرح مسب يركز على التحويلات والحسابات اليومية، خاصة لطبيعة ومدة الفترة الإنتقالية التي تسمح باستخدام العملتين جنباً إلى جنب لأسابيع أو أشهر وليس لسنوات، وفي الأسواق، الثقة المتبادلة والتجارب اليومية هي الحكم لتقليل اللبس، وتجنب الفوضى او الدولرة.
٦- شروط النجاح والشفافية والثقة والتتبع
ولتجنب كل السلبيات، فيجب التركيز على الثقة والشفافية من خلال عقد لقاءات وحوارات دورية خاصة مع الفعاليات والنقابات والاتحادات المهنية والمجتمع لشرح الخطوات، مع التركيز على أهمية الثقة والوضوح، وتشكيل إجماعاً وطنياً لضمان عدالة الانتقال وحماية حقوق المواطن، فلابديل عن الشفافية والتوزع الجغرافي وضمان حقوق المغتربين الذين هم خارج سورية، وداخلياً البدء مباشرة بإعداد موازنات موحدة لكل الشركات بالعملة الجديدة من 1 كانون الثاني 2026، مع تجنب الدولرة تماماً لتعزيز الوحدة الاقتصادية.
مع أهمية مراعاة الفئات الضعيفة (دعم نقدي مباشر، حملات توعية)، أي لا بد من اتخاذ إجراءات واضحة تحمي الودائع والمساهمين، وتمنع الاحتيال، وتضمن تبادلاً مجانياً خلال ستة أشهر، مع رقابة قضائية مستقلة، وبالتالي تحول الانتقال إلى فرصة للعدالة الاقتصادية الاجتماعية ولتجنب تجارب دول مرت بنتائج سلبية للغاية كون كامل “العّدة لم تكن مُعدة” قبل وأثناء عملية الاستبدال، فالنجاح يعتمد على التنفيذ الفعال والتوعية، وإلا قد يفاقم التحديات الحالية بفقدان التتبع للسيولة.



































