في الجزائر، صارت المنح التي تصرفها الدولة عند كثيرين تجارة ثابتة، وهذه ليست مبالغة بل واقع تصنعه سياسات مرتجلة وعقلية اجتماعية تبحث عن الربح السهل، فمنحة البطالة مثلاً بدأت فكرة تبدو إنسانية لمساعدة الشاب حتى يجد عملاً لكن ما حصل عملياً أنّ الدولة فتحت حنفية المال في بيئة بلا رقابة كافية، فكان طبيعياً أن تتحوّل المنحة من حماية مؤقتة إلى عادة دائمة، ومن جسر نحو الشغل إلى “مكافأة” على البقاء خارج المسار الرسمي، ووسيلة للربح.
المشكلة الأولى ليست في وجود دعم، فهذا معمول به في العديد من الدول، بل في طريقة تقديمه، فعندما تُصرف الأموال دون متابعة صارمة، ودون ربط حقيقي بالتكوين والتشغيل وإيجاد البديل، تصبح للمنحة رسالة مؤذية للمال العام “ابق كما أنت، المال سيأتي”، وهنا تبدأ لعبة التحايل التي يعرفها الجميع ويتهرب من تسميتها باسمها.
منحة البطالة بدأت فكرة تبدو إنسانية لمساعدة الشاب حتى يجد عملاً، لكن ما حصل عملياً أن الدولة فتحت حنفية المال في بيئة بلا رقابة كافية
حالياً أصبح البطال يعزف عن العمل الرسمي ويفضل الأعمال الحرة، ويصرّ على ألا يُصرَّح به في الضمان الاجتماعي حتى لا تُقطع “منحة البطالة”، وكأن التأمين الاجتماعي الذي يضمن التقاعد صار عقوبة! أما أرباب العمل فأصبحوا عاجزين عن التوظيف، لأن بعض الشباب يرفض العقد الرسمي، ليس لأن الوظيفة سيئة، بل لأنها تلغي المنحة المريحة، وفي حال توظيف الشباب دون تصريح ستتعرّض شركاتهم للعقوبة!
الحكومة شريكة في هذا العبث، لأنها اختارت السهل بدل الصحيح، فعوض إصلاح سوق العمل وضبط الاقتصاد الموازي وتحسين الأجور وتشجيع المؤسسات الصغيرة، ذهبت إلى الحل الأسرع “ادفع ليهدأ الشارع”، ثم عندما تكبر الفوضى لغياب الآليات بسبب القرارات الارتجالية، تبدأ المرحلة الثانية المعروفة بتشديد الشروط بالتدريج، وتضييق باب الاستفادة، ثم تحويل الحق إلى مسار شاق، إلى أن نصل لمرحلة تلويح الدولة بإلغاء هذه المنح وكأنها اكتشفت فجأة أن الخزينة لا تتحمل. والحقيقة أن المشكلة ليست في الخزينة وحدها، بل في سياسة تُدار بعقلية “الترقيع”، قرار يُتخذ بلا دراسة اجتماعية، ثم تُترك نتائجه لتنفجر وحدها.
الحكومة لم تستفد من دروس سابقة مماثلة، فسبق أن أعلنت في عهد الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عن برامج بمليارات الدولارات لدعم الشباب في إطار ما عرف بـ”لونساج” حيث تقرض الشباب بدون فوائد لإطلاق مشاريع وإنشاء شركات، لكن الشباب وجد في البرنامج وسيلة للربح السريع، وطريقة للاقتراض ثم انتظار العفو العام.
وبعد منحة البطالة، جاءت منحة السفر لتفضح المشكلة من زاوية ثانية، فكان من المفترض أن يخفف هذا الدعم العبء عن المواطن، لكنه تحوّل عند كثيرين إلى تجارة. وصار البعض يتعامل معها كدخل إضافي، لا كمساعدة على السفر.
جاءت منحة السفر لتفضح المشكلة من زاوية ثانية، فكان من المفترض أن يخفف الدعم العبء عن المواطن، لكنه تحوّل عند كثيرين إلى تجارة
والأسوأ أن المضاربة لم تعد حكراً على شبكات كبيرة، بل صارت وصفة سهلة يتداولها الناس بلا خجل، فيكفي لأي مواطن يملك سيارة أن يختار أربعة أشخاص، ثم عبور بسيط نحو تونس لبضعة كيلومترات وقضاء أسبوع هناك، وبعدها العودة وتقاسم الربح بعد بيع ما تبقى من عملة صعبة في السوق الموزاية التي يبلغ سعرها ضعف السوق الرسمي. ليتحول القرار الاقتصادي إلى أداة لتغذية عقلية اربح بسرعة.
في النهاية، الجزائر لا تعاني من المنح فقط، بل من فلسفة كاملة، لأن دولة تتصرف وكأنها تستطيع شراء الوقت بالمال، بحثاً عن الهدوء، مقابل مجتمع يرد على ذلك بتحويل المال إلى حيلة، وبينهما يضيع مفهوم العمل وقيمة الإنتاج.
الحل الآن ليس في الإلغاء الأعمى، لأن الإلغاء يعاقب المحتاج ويترك المتحايل يبحث عن منفذ آخر. الحل يكمن في قواعد واضحة وقاسية وعادلة في الوقت نفسه، يكمن في دعم مرتبط بتكوين حقيقي، ومتابعة دورية لا شكلية، وفرص تشغيل جدية، وعقود عمل تحمي العامل بدل أن تخنقه. والأهم جعل العمل الرسمي مكسباً، لا خسارة فالمجتمع يرى التأمين الاجتماعي كتهديد، هو مجتمع يسير إلى مزيد من الاقتصاد الموازي، ومزيد من الهشاشة، ومزيد من الفوضى.
لا بد أن يفهم المواطن رفقة الحكومة أن تنظيم المنح والمساعدات وتقنينها وفق أطر واضحة ليسا حرباً على الفقراء، ولا تبريراً لفشل الحكومة، بل دعوة لقول الحقيقة، لأن الدعم بلا تنظيم يفسد المجتمع، والمجتمع حين يفسد يبتلع الدولة. وفي الجزائر، إن لم تُكسر هذه الدائرة الآن، فسنستيقظ غداً على بلد يدفع رواتب للفوضى، ثم يستغرب لماذا لا يتقدم خطوة!
المصدر: العربي الجديد



































