تاريخياً.. شكّلت الزراعة في سوريا العمود الفقري للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للغذاء والدخل وفرص العمل، وبفضل تنوع المناخ والتربة وتعدد الموارد المائية نسبيًا، امتلكت البلاد مقومات زراعية مميزة مكّنتها – في مرحلة ما- من تحقيق مستويات جيدة من الاكتفاء الذاتي الغذائي وتصدير العديد من المنتجات الزراعية، إلا أن سنوات الحرب، وتغيرات المناخ، وتراجع الاستثمارات، أضعفت هذا القطاع بشكل كبير، ما جعل تطويره اليوم ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن الغذائي ودعم النهضة الصناعية.
أهمية القطاع الزراعي في سوريا
أمن غذائي
الأمن الغذائي يعني قدرة الدولة على توفير الغذاء الكافي والآمن للسكان بأسعار مناسبة وباستقرار مستدام، ويُعد القطاع الزراعي الركيزة الأساسية لتحقيق هذا الهدف، خاصة في ظل ارتفاع أسعار الغذاء عالمياً، وصعوبة الاستيراد نتيجة القيود المالية، وتذبذب سلاسل التوريد الدولية، وعليه فإن تعزيز الإنتاج الزراعي المحلي يقلل الاعتماد على الاستيراد، ويحدّ من تعرض البلاد للأزمات الخارجية، ويؤمن الاحتياجات الأساسية من الحبوب والخضروات والمنتجات الحيوانية.
دور اجتماعي واقتصادي
يؤمّن القطاع الزراعي فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لجزء كبير من السكان، خاصة في الريف، ويساهم في الحد من البطالة، وتقليص الهجرة الداخلية، وتحسين مستوى المعيشة، تحقيق توازن تنموي بين الريف والمدينة.
دعم الصناعة الوطنية
ترتبط الزراعة ارتباطاً وثيقاً بالصناعة عبر ما يُعرف بـ الصناعات الزراعية التحويلية، مثل: الصناعات الغذائية -صناعة النسيج (القطن)- الزيوت النباتية- الألبان والمعلبات، وتالياً فإن أي تطور في الزراعة ينعكس مباشرة على نمو القطاع الصناعي وزيادة القيمة المضافة المحلية.

واقع القطاع الزراعي في سوريا
تعرض القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية لجملة من التحديات، من أبرزها: تضرر الأراضي الزراعية وشبكات الري، وارتفاع تكاليف الإنتاج (وقود، أسمدة، بذار)، ونقص التمويل والدعم الفني، وضعف التسويق الزراعي، إضافة إلى آثار الجفاف والتغير المناخي، وقد أدت هذه العوامل إلى تراجع الإنتاج في محاصيل استراتيجية مثل: القمح، القطن، الشعير، والزيتون، ما انعكس سلبًا على الأمن الغذائي والصناعات المرتبطة بها.
سبل تطوير القطاع الزراعي في سوريا
1- تطوير إدارة الموارد المائية: فالمياه هي العامل الحاسم في الزراعة السورية، ويجب تحديث أنظمة الري والانتقال إلى الري الحديث (التنقيط والرش)، وتقليل الهدر في شبكات الري، وإعادة تأهيل السدود والقنوات، وتشجيع زراعة المحاصيل الأقل استهلاكًا للمياه.
2- دعم الفلاح وتمكينه اقتصادياً: يتطلب تطوير الزراعة توفير القروض الزراعية الميسرة، ودعم أسعار مستلزمات الإنتاج، وضمان شراء المحاصيل الاستراتيجية بأسعار عادلة، وتوفير التأمين الزراعي ضد الكوارث، فالفلاح هو محور العملية الزراعية، واستقراره يعني استقرار الإنتاج.
3- التحديث التقني والإرشاد الزراعي: ينبغي الاستثمار في إدخال التقنيات الحديثة والبذور المحسّنة، وتفعيل دور الإرشاد الزراعي ونقل المعرفة، واستخدام البيانات الزراعية والتخطيط الموسمي، وتشجيع الزراعة الذكية والمستدامة.
4- إعادة توجيه الخريطة الزراعية: من الضروري زراعة المحاصيل وفق الميزة النسبية لكل منطقة، والتركيز على المحاصيل الاستراتيجية (قمح، ذرة، زيتون، خضار)، ودعم الزراعات التصديرية ذات القيمة العالية.
5- تطوير التسويق الزراعي: يؤدي ضعف التسويق إلى خسائر كبيرة، لذلك من المهم إنشاء مراكز تجميع وتوضيب، وتحسين التخزين البارد، ودعم التصدير، وربط الفلاح بالأسواق مباشرة.
دور الزراعة في دعم الصناعة السورية
1- الصناعات الغذائية: تمثل الصناعات الغذائية الحلقة الأهم بين الزراعة والصناعة، وتشمل: التعليب- الطحن- إنتاج العصائر- الألبان، فتطوير الزراعة يؤدي إلى زيادة المواد الأولية، وخفض كلفة الإنتاج الصناعي، وتحسين جودة المنتجات المحلية.

2- الصناعات النسيجية: يُعد القطن من المحاصيل الاستراتيجية التي تغذي الغزل- النسيج- الصناعات القطنية، فإحياء زراعة القطن يعزز واحدًا من أهم القطاعات الصناعية التقليدية في سوريا.
3- تحقيق قيمة مضافة محلية: بدل تصدير المنتجات الزراعية خاماً، فإن تصنيعها محلياً يخلق فرص عمل، ويزيد العائد الاقتصادي، ويعزز الصادرات الصناعية.
الزراعة كرافعة للتنمية المستدامة
يساهم القطاع الزراعي المطوّر في تحقيق الأمن الغذائي، ودعم الاستقرار الاجتماعي، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، وحماية البيئة عبر الزراعة المستدامة، كما يشكل قاعدة أساسية لإعادة الإعمار والتنمية طويلة الأمد.
خلاصة
لم يعد تطوير القطاع الزراعي في سوريا خياراً ثانوياً، بل ضرورة وطنية لتحقيق الأمن الغذائي، دعم الصناعة، وتحقيق التنمية الشاملة، ويتطلب ذلك رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على دعم الفلاح، تحديث التقنيات، تحسين إدارة الموارد، وربط الزراعة بالصناعة والأسواق، ومع توفر الإرادة وبرامج وخطط الصحيحة، يمكن للزراعة أن تستعيد دورها التاريخي كأحد أهم محركات الاقتصاد السوري وركيزة أساسية لمستقبل أكثر استقرارًا واستدامة.
محمد النجم



































