ملخص
يرى محللون أن ما يحدث قد يعكس تحولاً أكثر عمقاً في مسار التدفقات الاستثمارية العالمية، فمديرو المحافظ يسعون إلى تنويع استثماراتهم بعيداً من الولايات المتحدة، وينجذبون بصورة متزايدة إلى التقدم الذي حققته الدول النامية في خفض مستويات الدين والسيطرة على التضخم.
تستعد الأسواق الناشئة لبدء عام 2026 بوصفها أحد أكثر الرهانات تفضيلاً في “وول ستريت”، مع مراهنة مديري الأموال على انطلاق دورة متعددة السنوات من تدفقات الاستثمارات إلى هذه الأسواق.
أيضاً حققت استراتيجيات “Carry trade strategy”، التي تقوم على الاقتراض بعملات منخفضة العائد للاستثمار في أصول أعلى عائداً، أفضل أرباحها منذ 2009.
وقد تجلت هذه الحماسة بوضوح خلال مؤتمر الاستثمار الذي نظمه “بنك أوف أميركا” أخيراً في لندن، إذ استضاف البنك نحو 300 مستثمر، ولم يلحظ سوى قدر ضئيل من التشاؤم تجاه الأسواق الناشئة.
وقال رئيس قسم الدخل الثابت للأسواق الناشئة في البنك ديفيد هاونر لـ”بلومبيرغ”، “الدببة في الأسواق الناشئة انقرضت”، ويطلق مصطلح سوق الدببة عندما تنخفض أسعار الأوراق المالية بنسبة 20 في المئة بعد فترة طويلة من ارتفاع السوق.
ويرى محللون أن ما يحدث قد يعكس تحولاً أكثر عمقاً في مسار التدفقات الاستثمارية العالمية، فمديرو المحافظ يسعون إلى تنويع استثماراتهم بعيداً من الولايات المتحدة، وينجذبون بصورة متزايدة إلى التقدم الذي حققته الدول النامية في خفض مستويات الدين والسيطرة على التضخم.
ويمثل ذلك تحولاً لم يكن متوقعاً قبل فترة وجيزة، إذ كان المستثمرون يتجنبون هذه الفئة من الأصول بعد سنوات من العوائد الضعيفة، وفي ظل مخاوف من حرب تجارية تقودها الولايات المتحدة.
وكان من الصعب على مديري الأموال تسويق الأسواق الناشئة لعملائهم، فيما رأى عدد من صناديق التحوط أن أفضل الفرص تكمن في المراهنة ضدها.
وقال رئيس قسم أسهم الأسواق الناشئة في “أليانس بيرنشتاين” بنيويورك سامي سوزوكي، لـ”بلومبيرغ، “كان عام 2025 نقطة تحول، فقبل عام، كان السؤال المطروح هو ما إذا كانت الأسواق الناشئة قابلة للاستثمار أساساً، أما اليوم فلم نعد نتلقى هذا السؤال”.
وظلت المعنويات إيجابية مع بداية الأسبوع، إذ ارتفع مؤشر “إم إس سي آي” لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة واحد في المئة، لترتفع مكاسبه منذ بداية العام إلى 28.5 في المئة.
وانضمت بنوك كبرى مثل”جيه بي مورغان تشيس” و”مورغان ستانلي” إلى موجة التفاؤل، متوقعة أن تستفيد الأسواق الناشئة من ضعف الدولار ومن الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي.
ويتوقع “جيه بي مورغان” تدفقات تصل إلى 50 مليار دولار إلى صناديق ديون الأسواق الناشئة خلال العام المقبل.
وقال الرئيس العالمي للدخل الثابت في “جيه بي مورغان لإدارة الأصول” بوب ميشيل، “إحدى أفضل أفكارنا ما زالت تتمثل في التمسك بديون الأسواق الناشئة بالعملات المحلية، ونتوقع تحقيق قدر من ارتفاع الأسعار، إلى جانب عوائد استراتيجيات (Carry trade strategy)، ونرى أن عملات الأسواق الناشئة لا تزال تمتلك هامش صعود إضافياً”.
أسهم الأسواق الناشئة استقطبت نحو 31 مليار دولار في 2025
في غضون ذلك، تنصح “مورغان ستانلي” عملاءها بالاحتفاظ بالسندات المقومة بالعملات المحلية، وزيادة التعرض للديون المقومة بالدولار في الأسواق الناشئة، في حين يتوقع “بنك أوف أميركا” أن تكرر السندات المقومة بالعملات الصعبة مكاسبها ذات الرقمين المحققة هذا العام.
في حين أن أحد المحركات الأساسية لهذا الاتجاه هو التموضع الاستثماري، فعلى رغم من الارتفاعات، لا تزال التدفقات الإجمالية محدودة نسبياً.
وتشير تقديرات “ستراتيغاس سيكيوريتيز” إلى أن الصناديق الأميركية المتداولة التي تركز على أسهم الأسواق الناشئة استقطبت نحو 31 مليار دولار في 2025، أيضاً جذبت صناديق ديون الأسواق الناشئة أكثر من 60 مليار دولار، وفق بيانات”إي بي إف آر غلوبال” التي جمعها “بنك أوف أميركا”، إلا أن ذلك يأتي بعد تدفقات خارجة بلغت 142 مليار دولار خلال السنوات الثلاث السابقة، مما يعني أن الأسواق الناشئة لا تزال ممثلة بأقل من وزنها في المحافظ العالمية.
وقال كبير استراتيجيي الصناديق المتداولة والتحليل الفني في “ستراتيغاس” بنيويورك تود سون، “هذا العام مثل عودة مخصصي الأصول بعد خمس سنوات قاسية، فكثيرون أدركوا أنهم كانوا مفرطي التعرض لأسهم النمو الأميركية ذات القيمة السوقية الكبيرة، وبدأوا التحرك نحو تنويع عالمي”.
وفي الوقت نفسه، ترتفع حصة الأسواق الناشئة في المؤشرات العالمية للأسهم والسندات، فقد زاد وزن الأسهم بأكثر من نقطة مئوية مقارنة بالأسواق المتقدمة ليقترب من 13 في المئة في مؤشر “بلومبيرغ” العالمي لأسهم الشركات الكبيرة والمتوسطة”، وزادت حصة ديون الأسواق الناشئة في مؤشر “بلومبرغ” العالمي للسندات الإجمالية”.
ويرى راجيف دي ميلو من “غاما لإدارة الأصول” أن المستثمرين عادوا أخيراً للتفاعل مع الأسواق الناشئة، لكنه يعتقد أن هناك مجالاً للتحرك نحو “زيادة أكثر وضوحاً في الوزن النسبي”.
سؤال الدولار
غير أن انتعاش هذا العام قد يخفي بعض مواطن الضعف في هذه الفئة من الأصول، فالصين العالقة في دورة انكماشية، قد تشكل تحدياً من خلال تصدير فائض طاقتها الإنتاجية إلى دول نامية أخرى، مما يزيد الضغوط على الصناعات المحلية.
إلا أن الاختبار الأكبر يتمثل في مسار الدولار، فقد أسهم تراجعه بنسبة ثمانية في المئة هذا العام في دعم أصول الأسواق الناشئة، لكن كثيرين يرون أنه قد يعاود الارتفاع إذا أقدم الاحتياط الفيدرالي الأميركي على خفض أسعار الفائدة بوتيرة أبطأ من المتوقع.
وفي هذا السياق، ينصح استراتيجيو “سيتي غروب” بالتركيز فقط على الأصول القادرة على الصمود أمام أي ارتداد محتمل للدولار.
ومع ذلك، يتوقع البنك تحقيق عائد إجمالي بنحو خمسة في المئة من سندات الأسواق الناشئة العام المقبل، ويواصل ميشيل من “جيه بي مورغان لإدارة الأصول” تبني موقف متفائل، متوقعاً أن تظل العوائد الحقيقية “المرتفعة جداً” عامل جذب للمستثمرين حتى في سيناريو قوة الدولار.
وفي الوقت الراهن، لا تزال السيولة تتدفق بقوة، إذ استقطبت صناديق ديون الأسواق الناشئة 4 مليارات دولار في الأسبوع المنتهي في الـ17 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وهو أكبر تدفق أسبوعي منذ يوليو (تموز) الماضي.
وإذا نجحت هذه الأسواق في تجاوز تقلبات الدولار وتحولات سياسة “الفيدرالي”، فقد يقتنع المستثمرون المتحفظون بأن إعادة تخصيص هيكلية للأصول باتت قيد التشكل بالفعل، بحسب سوزوكي من “أليانس بيرنشتاين”.
وقال سوزوكي “حالة عدم اليقين هذه تمنح المستثمرين نافذة للدخول، فعندما يقتنع الجميع بالفكرة، قد يكون الأوان قد فات”.
المصدر: إندبندنت عربية



































