تُعدُّ سوريا من الدول ذات الموقع الجغرافي الاستراتيجي والثرى تاريخياً بثرواتها الطبيعية المتعددة، تمتد مواردها من النفط والغاز إلى المعادن غير النفطية مثل الفوسفات والملح والصخور الصناعية، إضافة إلى إمكانات غير مستغلة جيداً في قطاعات أخرى، ومع أن هذه الموارد تمثل عنصراً مهماً في الإمكانات الاقتصادية للبلاد، فإن الحقائق الواقعية حول الاحتياطيات القابلة للاستغلال وقيمتها الاقتصادية تتأثر بعدة عوامل، من بينها سنوات الحرب الطويلة، والتدمير الذي لحق بالبنى التحتية، والتحولات الاقتصادية في السنوات الأخيرة.
النفط.. ثروة قديمة تواجه تحديات كبيرة
كانت سوريا قبل الحرب من الدول المنتجة للنفط بشكل متوسط في الشرق الأوسط، وتركزت حقول النفط الرئيسية في شمال شرق البلاد، مثل الحقول قرب دير الزور والحسكة، والتي تُعد امتداداً طبيعياً لحوض النفط العراقي، ووفق تقديرات متعددة، تبلغ احتياطيات النفط القابلة للاستخراج حوالي 1.8 إلى 2.5 مليار برميل.
قبل اندلاع الحرب عام 2011، كانت إنتاجية النفط تصل إلى نحو 400 ألف برميل يومياً، وهو رقم مهم نسبياً مقارنة باقتصاد سوريا، وقد شكّل النفط جزءاً أساسياً من الصادرات الوطنية ومن مصادر العملة الصعبة، إلا أن الحرب أدت إلى تراجع الإنتاج بشكل حاد؛ فبحلول العقد الثاني من الحرب انخفض الإنتاج إلى عشرات الآلاف من البراميل فقط، مع تراجع قدرة الدولة على التحكم الكامل في حقولها.
القيمة الاقتصادية للنفط

إذا وضعنا تقدير الاحتياطات عند نحو 2.5 مليار برميل وسعر برميل النفط يتراوح بين 60–70 دولاراً، فإن القيمة الإجمالية النظرية لمخزون النفط قد تتجاوز 150 مليار دولار، ومع ذلك قد لا تعكس هذه القيمة النظرية القيمة الحقيقية القابلة للاستثمار بسبب التكاليف العالية للإنتاج، الحاجة إلى إعادة بناء البنى التحتية، والتحديات الأمنية.
الغاز الطبيعي.. إمكانات كبيرة لكن الاستفادة محدودة
يمتلك قطاع الغاز الطبيعي في سوريا إمكانات معتبرة، وتقدر الاحتياطيات المثبتة الحالية بنحو 240 إلى 650 مليار متر مكعب حسب المصادر المختلفة، ويشكل الغاز عنصراً مهمّاً في إنتاج الكهرباء والتدفئة، وله دور في دعم قطاع الطاقة بشكل عام، وتشمل هذه الاحتياطيات الغاز الجاف وغير المصاحب، بينما هناك إمكانات إضافية لموارد غير مكتشفة، خاصة في المناطق البحرية في البحر المتوسط.
القيمة الاقتصادية للغاز
إذا اعتبرنا أن قيمة الغاز الطبيعي في السوق العالمية تتراوح في المتوسط حوالي 0.30 دولار لكل متر مكعب (معدلات تقريبية)؛ فإن قيمة احتياطيات الغاز المثبتة قد تصل تقريباً إلى 70 مليار دولار أو أكثر، علاوة على ذلك، يمكن أن يوفر الغاز منتجاً محلياً مهماً لتوليد الكهرباء، مما يقلل من فاتورة الاستيراد ويجذب الاستثمارات في صناعات متعددة.
المعادن غير النفطية.. الفوسفات والملح والمعادن الصناعية
يُعد الفوسفات من أهم الموارد المعدنية في سوريا، إذ تمتلك البلاد احتياطيات ضخمة قد تتجاوز 1.7–2 مليار طن، وهي من بين الأكبر عالمياً، وتستخدم هذه المادة في صناعة الأسمدة وتعد مكونا أساسيا في الزراعة.
القيمة الاقتصادية للفوسفات
بحسب أسعار السوق العالمي للفوسفات، يمكن أن تصل القيمة الإجمالية لهذه الاحتياطيات إلى مئات مليارات الدولارات (قد تتجاوز 200–230 مليار دولار تقريبًا حسب تقديرات بعض التقارير)، ويمكن أن تكون هذه القيمة أعلى أو أقل بناءً على الأسعار العالمية ومستوى الطلب.
وفي هذا الصدد فإن السياقات الاقتصادية الحديثة تبرز الفوسفات كأحد أهم السلع التصديرية التي يمكن للسعودية أن تعتمد عليها في استراتيجياتها لإعادة بناء الاقتصاد وتحسين الميزان التجاري، خصوصاً بعد سنوات الحرب الطويلة التي تضرر فيها العديد من القطاعات الإنتاجية.
معادن أخرى
بجانب الفوسفات، توجد في سوريا موارد مثل الملح الصخري، والإسفلت، والجير، والرخام، وبعض الرواسب المعدنية الأخرى مثل الكروم والمنغنيز، والتي تستخدم في صناعات البناء والمواد الأولية.
واقع الاستغلال والبنية التحتية

الحرب التي اندلعت في سوريا عام 2011 خلفت دماراً واسعاً في البنى التحتية، لا سيما في مجالات النفط والغاز والطاقة، مما قلص بشكل كبير من الإنتاج والإيرادات، إضافة إلى ذلك، أدت السيطرة المتقطعة على الحقول من قبل فصائل مختلفة إلى تفكك وحدات الإنتاج وتقليل الكفاءة.
كما أن العقوبات الدولية جعلت جذب الاستثمارات الأجنبية أمراً صعباً، رغم التوقيع في بعض الأوقات على اتفاقيات مع شركات دولية مثل اتفاق التفاهم الذي وقعه مؤخراً الجانب السوري مع ConocoPhillips وNovaterra لتعزيز إنتاج الغاز وتحسين البنية التحتية.
التحكم في الموارد
تعاني سوريا من مشكلة سيطرة غير متجانسة على مواردها، خصوصاً في المناطق الشرقية، حيث تسيطر ميليشيا “قسد” على معظم حقول النفط والغاز في منطقة الجزيرة السورية، وهذا الواقع يعوق إعادة توحيد الإنتاج واستغلاله بشكل منهجي.
القيمة الاقتصادية الإجمالية والتوقعات المستقبلية

إذا جمعنا تقديرات النفط والغاز والفوسفات وبعض المعادن الأخرى، فإن الحجم الإجمالي للثروات الطبيعية السورية قد يصل إلى مئات المليارات من الدولارات، وربما أكثر من 700–1000 مليار دولار وفق بعض التقديرات الصحفية غير الرسمية، إلا أن هذه الأرقام تبقى نظرية ومفتوحة للتحقق العلمي الدقيق، وتعتمد بشكل كبير على الأسعار العالمية، وتكاليف الاستخراج، ومدى الاستقرار الأمني.
أهمية هذه الموارد
تلعب الثروات الباطنية دوراً مهماً في تحسين الميزان التجاري وتقليل العجز، وجذب الاستثمارات الأجنبية والتقنية، ودعم الإنتاج المحلي للطاقة، وخلق فرص عمل واستقرار اقتصادي في مناطق الإنتاج، لكن لتحقيق هذه المكاسب، تحتاج سوريا إلى سياسات اقتصادية واضحة، استثمارات في البنية التحتية، وإصلاحات إدارية وبيئية لضمان استدامة الاستغلال.

حقل جحار السوري – الصورة من موقع أخبار النفط والغاز السوري
في الختام..
تمثل الثروات الباطنية في سوريا -من النفط والغاز إلى الفوسفات والمعادن غير النفطية- أصلاً اقتصادياً ذا قيمة عالية إذا ما تم استغلاله بصورة ناجحة ومنظمة، ومع ذلك، فإن السنوات الطويلة من الحرب، والدمار الذي لحق بالبنية التحتية، والعقوبات الدولية، تشكل تحديات كبرى أمام تحويل هذه الموارد إلى قوة اقتصادية نشطة تساهم في إعادة بناء البلاد وتعزيز استقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
ويبقى الطريق نحو تحقيق الاستفادة الكاملة من هذه الموارد طويلًا ويتطلب رؤية واضحة، واستثمارات ضخمة، وإدارة شفافة تشرك جميع الأطراف المعنية لضمان أن تتحول الثروات الطبيعية من ثروة كامنة إلى قوة اقتصادية فعلية تخدم التنمية الوطنية، وفي هذا السياق فإن إعادة سيطرة الدولة السورية على حقول النفط والغاز في منطقة الجزيرة تمثل خطوة أساسية لإعادة التوازن إلى قطاع الثروات الباطنية السورية نظراً لما تحتويه هذه المنطقة من احتياطيات ضخمة ومأمولة أيضاً، إضافة إلى الثروة الغازية الهائلة الكامنة تحت مياه الأبيض المتوسط، وبعد إلغاء العقوبات التي كانت مفروضة على سوريا يتزايد منسوب الأمل بأن تشهد البلاد نهضة شاملة في هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي ستنعكس إيجاباً على كامل المشهد الاقتصادي في سوريا وخلال فترة قصيرة من الزمن.
محمد النجم
العالم الاقتصادي



































