في سياق حراك سياسي واقتصادي متسارع بين دمشق وموسكو، تتقدّم مباحثات توريد القمح الروسي إلى سوريا بوصفها أحد أبرز ملفات التعاون الثنائي المرتبطة مباشرة بملف الأمن الغذائي هذا ما عكسته المباحثات التي أجراها نائب وزير الاقتصاد والصناعة السوري ماهر خليل الحسن عبر تقنية الاتصال المرئي مساء أمس يوم الاثنين مع نائب وزير الزراعة في الاتحاد الروسي مكسيم ماركوفيتش التي ركّزت على سبل تعزيز التعاقدات الخاصة بتوريد القمح الروسي إلى البلاد.
وخلال اللقاء أكد الحسن أن الجهات المختصة في وزارة الاقتصاد والصناعة تدرس حالياً العروض المقدّمة من الشركات الروسية المتخصصة بتوريد القمح في محاولة للوصول إلى أفضل الشروط الفنية والاقتصادية الممكنة، بما ينسجم مع متطلبات السوق المحلية ويسهم في تعزيز مخزون الأمن الغذائي ووفق ما رشح عن المباحثات اتفق الجانبان على مواصلة التنسيق وعقد لقاءات لاحقة، في إطار مساعٍ مشتركة لتطوير صيغ تعاون أكثر استدامة تخدم المصالح الاقتصادية للبلدين.
وتأتي هذه المباحثات في وقت تشهد فيه العلاقات السورية – الروسية زخماً سياسياً واقتصادياً، ولا سيما مع تزايد الاتصالات بين موسكو ودمشق حول ملفات حيوية، يتصدرها ملف القمح، باعتبار روسيا أكبر مصدّر للقمح في العالم، ومورّداً أساسياً لعدد من الدول، من بينها تركيا ومصر، وسط توقعات بأن يشهد الموسم الزراعي لعام 2025 واحداً من أكبر محاصيل الحبوب في تاريخها الحديث.
وأكد مصدر مطّلع في وزارة الاقتصاد والصناعة أن السعر الذي اتُّفِق عليه بين الجانبين، السوري والروسي، يأتي ضمن المستويات المتعارف عليها عالمياً، من دون أي زيادات أو أعباء إضافية، موضحاً أن آلية الدفع المعتمدة تقوم على التسديد المباشر “أولاً بأول”، ما يجنّب الجانب السوري أي كلف ناتجة من التأجيل أو الفوائد أو الشروط المجحفة التي كانت تُفرض سابقاً.
ولفت المصدر إلى إلغاء معظم العقود التي كانت موقّعة مع الجانب الروسي في عهد النظام السابق، بعد مراجعة شاملة كشفت عن اختلالات واسعة، مشيراً إلى أن عدداً من الشركات الروسية الخاصة كان قد طالب بتحصيل مستحقات متراكمة خلّفها النظام البائد، في عقود وصفها بأنها حملت إرثاً كبيراً من الفساد، من بينها فرض زيادات غير مبررة وصلت إلى نحو 100 دولار على كل طن من القمح المستورد، إضافة إلى حصر الاستيراد من روسيا فقط ومنع فتح المجال أمام بدائل أخرى.
وأوضح المدير العام للمؤسسة، المهندس حسن عثمان، أن هذه البواخر القادمة من أوكرانيا وروسيا تندرج ضمن خطة مستمرة لتأمين القمح اللازم لاستمرار إنتاج الخبز، مؤكداً متابعة تنفيذ التوريدات بشكل يضمن عدم انقطاع الإمدادات.
وأشار عثمان إلى أن عمليات التفريغ والنقل والتخزين تجري وفق إجراءات دقيقة وبالتنسيق مع الجهات المعنية، للحفاظ على جودة المادة وضمان تلبية احتياجات المطاحن اليومية، لافتاً إلى أن المؤسسة تعمل على تنفيذ تعاقدات إضافية خلال الفترة المقبلة لتعزيز المخزون الاستراتيجي، تحت إشراف وزارة الاقتصاد والصناعة.
وكانت المؤسسة قد أعلنت أيضاً وصول ثلاث بواخر محمّلة بأكثر من 70 ألف طن من القمح إلى مرفأ طرطوس في التاسع من الشهر الجاري، في إطار سلسلة تعاقدات مع شركات خاصة لتأمين احتياجات البلاد من هذه المادة الأساسية وفي مرفأ اللاذقية، باشرت كوادر المؤسسة تفريغ باخرة محمّلة بنحو 23,500 طن من القمح، تمهيداً لنقلها إلى الصوامع المخصصة، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز المخزون وضمان استدامته.
وتُعد عملية استقدام القمح عبر المرافئ السورية محطة حيوية في تأمين الاحتياجات اليومية للمخابز في مختلف المحافظات، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية واللوجستية التي يواجهها قطاع الغذاء. وتخضع عمليات التفريغ والتسليم لرقابة ميدانية، للتأكد من التزام المواصفات والمعايير الفنية المعتمدة.
في هذا السياق الأوسع، كان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي فيرشينين قد أكد، مطلع شباط الماضي، أن موسكو تجري اتصالات مكثفة مع المسؤولين السوريين، فيما شهدت أواخر تشرين الأول زيارة وفد من وزارة الخارجية السورية لروسيا، لبحث إعداد خطة عمل شاملة تهدف إلى إعادة تفعيل الخدمات القنصلية والإدارية، بما يعكس اتجاهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب العلاقات الثنائية على المستويين، السياسي والاقتصادي.
العالم الاقتصادي- العربي الجديد



































