في وقتٍ تقف فيه حلب أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة الإعمار في تاريخها الحديث، تأتي حملة التبرعات الأخيرة ضمن حملة “حلب ستّ الكل” لتعيد تسليط الضوء على حجم التحدّي الذي تواجهه المحافظة، بعد سنوات طويلة من الدمار والاستنزاف.
وبين الزخم الشعبي الذي عكسه التفاعل مع الحملة، وضخامة الاحتياجات الفعلية لإعادة بناء البنى التحتية وإحياء دور العاصمة الاقتصادية، تبرز فجوة واضحة بين ما هو متاح وما هو مطلوب، لتتحول المبادرة من مجرد رقم مُعلن إلى اختبار حقيقي لكيفية إدارة الموارد وتوجيهها نحو أولويات الإعمار الأكثر إلحاحاً.
وقد يبدو مبلغ 427 مليون دولار الذي جمعته حملة “حلب ستّ الكل” ضخماً مقارنة بالحملات التي شهدتها المحافظات الأخرى، لكن هذا الرقم يمثل فقط 0.66 بالمئة من احتياجات إعمار المحافظة، البالغة 64.3 مليار دولار باعتبارها أكثر المدن دماراً في سوريا، وفق تقديرات البنك الدولي.
وتهدف الحملة إلى دعم مشاريع تأهيل البنى التحتية وتعزيز القطاعات الخدمية في حلب، بما يسهم في إعمار المدينة وعودة الحياة الطبيعية إلى مختلف أحيائها.
رقم ضئيل مقارنة بالاحتياجات
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، لصحيفة “الثورة السورية”، إن المبلغ الذي جمعته حملة “حلب ستّ الكل” ضخم نسبياً، لكنه في عرف الاقتصاد والاحتياج الذي تحتاجه حلب وريفها، مبلغ ضعيف لا يشكّل إلا نسبة ضئيلة من الاحتياجات، لكن فعلياً، يمكن أن تسهم هذه المبادرة الرمزية برفع اقتصادي حقيقي حتى لو كانت ضئيلة إذا أُديرت بأولويات واضحة وشفافية عالية وشراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.
وأضاف شعبو أن إعادة إعمار حلب ليست مشروع بناء فقط، بل مشروع ثقة وإنتاج وإعادة الدور الاقتصادي التاريخي لمدينة ذات حضارة وتاريخ كبير في الصناعة في سوريا، ويمكن من حلب أن نبدأ عملية التعافي الاقتصادي وأن تكون رأس حربة للاقتصاد السوري.
تحفيز المشاركة المجتمعيّة
يشير شعبو إلى نقطة مهمة ظهرت من خلال تلك الحملات، وهي تحفيز المشاركة المجتمعية، إذ يشعر الجميع بأن هذا البلد بلده وسوف يساهم ولو بمبلغ ألف ليرة، وهذا الأمر يعزز الانتماء والمسؤولية المجتمعية وجذب تمويل محلي.
ورأى أن هذا التمويل يجب أن يركز على ما يسهل خلق فرص عمل في تخفيف حالة مجتمعية وتأمين خدمات أساسية للمواطنين.
ويعتقد شعبو أن التمويل سيتجه بأغلبه نحو المسارات الخدمية (كهرباء، مياه، طرقات أو اجتماعية سكن، صحة، تعليم)، وهذا مهم لأن الاحتياج كبير، مستبعداً أن تتجه هذه الأموال إلى المسار الاقتصادي من حيث دعم الصناعة أو المشروعات الصغيرة.
وأوضح أن هذه الأموال لن تكون رافعة كبيرة للاقتصاد وستكون مساهمات إنفاقية وليست إنتاجية، لكنها تبقى احتياجاً أساسياً بسبب الدمار الكبير في حلب، حيث البنى التحتية متهالكة وتحتاج إلى مشافٍ ومدارس، مؤكداً أن المحافظة بحالة يُرثى لها، خاصة في المناطق الشرقية للمدينة والريف.
ويتوقع شعبو أن يتجه أيضاً جزء كبير من أموال هذه الحملة إلى الأرياف، أي لن تصب فقط في المدينة، لافتاً إلى توضيح صرف تلك الأموال من خلال تقسيمها على قطاعات وعلى الأرياف بشكل متساوٍ.
ولفت إلى أنه عند توزيعها على الأرياف لن تظهر قيمتها الحقيقية مجتمعة، ففي إحدى المناطق ستُبنى مدرسة، وفي أخرى ستُبنى مستشفى، وسيتساءل الناس: أين ذهب مبلغ الـ 400 مليون دولار؟
ويحذر شعبو من سوء إدارة تلك الأموال، مشيراً إلى أن الحملة شكلت لجنة لمتابعة صرفها خوفاً من ضعف التنسيق بين الجهات وتكرار المشاريع ذاتها، مؤكداً أهمية أن تقدم الحكومة تسهيلات، وكذلك ضرورة مساهمة المصارف في تأمين السيولة اللازمة.
وقال إن البنك الدولي قدّر تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مشيراً إلى أن حلب، بوصفها مدينة كبرى، ستكون لها حصة كبيرة من هذا الرقم، نظراً لحجم الدمار الهائل الذي لحق بها، لا سيما في القطاع الصناعي والمصانع، إضافة إلى دورها الاقتصادي المحوري وقربها من مراكز النقل والممرات الإقليمية والعالمية.
وأوضح أن حصة حلب قد تصل إلى نحو 100 مليار دولار، لافتاً إلى أن احتياجات المدينة مركّبة، وتشمل إعادة تأهيل البنى التحتية، وإعادة إطلاق عجلة الإنتاج، إلى جانب الخدمات المجتمعية والمؤسساتية لضمان الاستدامة. وأكد أن نجاح إعادة الإعمار في حلب لا يُقاس بحجم الأموال فقط، بل بكفاءة توجيهها وإعادة المدينة إلى دورها الطبيعي كقلب للاقتصاد السوري.
الأكثر تضرراً
تُعد حلب المحافظة الأكثر تضرراً في سوريا، وفق تقديرات البنك الدولي، حيث بلغت الأضرار المباشرة للمباني والبنية التحتية نحو 31 مليار دولار، بما يمثل حوالي 29 بالمئة من إجمالي الأضرار المقدرة في البلاد.
وتشكل الأضرار في المباني السكنية نحو 41.4 بالمئة من إجمالي المباني السكنية، فيما يتركز جزء كبير من الأضرار على البنية التحتية الأساسية.
وتُقدر تكلفة إعادة الإعمار الإجمالية لحلب بأكثر من 64 مليار دولار، مع تركز الجزء الأكبر في مدينة حلب، وتشكل إعادة إعمار المباني السكنية وحدها نحو 26 مليار دولار، فيما تصل احتياجات المباني غير السكنية والبنية التحتية إلى حوالي 18 مليار دولار و20 مليار دولار على التوالي.
ويُعتبر حجم الدمار الواسع في حلب مؤشراً على الجهد الكبير المطلوب لإعادة بناء المدينة، بما يشمل الصناعة، والمرافق الأساسية، وشبكات النقل والطاقة والمياه.
ويقدر البنك الدولي أن الحرب ألحقت أضراراً بنحو ثلث إجمالي رأس المال الثابت في البلاد (GCS)، متسببة بخسائر مادية إجمالية في البنية التحتية والمباني تقدر بنحو 108 مليارات دولار أميركي.
وتُعد محافظات حلب وريف دمشق وحمص الأكثر تضرراً، إذ قُدِّرت الخسائر فيها بنحو 31 مليار دولار في حلب، و22 مليار دولار في ريف دمشق، و11 مليار دولار في حمص.
وتركز هذه التقديرات على تكلفة إعادة الإعمار للأصول المادية فقط، ولا تغطي احتياجات استعادة الخدمات لضمان عمل القطاعات المختلفة، وتحتاج محافظتا حلب وريف دمشق لأكبر الاستثمارات لإعادة الإعمار.
الاحتياجات في أرقام
64
مليار دولارإجمالي تكلفة إعادة إعمار محافظة حلب، مع تركز الجزء الأكبر في المدينة
427 مليون دولارالمبلغ الذي جمعته “حلب ست الكل”
31 مليار دولارإجمالي الأضرار المباشرة للمباني والبنية التحتية أي نحو 29 بالمئة من إجمالي الأضرار في سوريا
26 مليار دولارتكلفة إعادة إعمار المباني السكنية وحدها
18 مليار دولاراحتياجات المباني غير السكنية لإعادة الإعمار
20 مليار دولارتكلفة إعادة بناء البنية التحتية الأساسية في حلب
41 بالمئة نسبة المباني السكنية المتضررة في حلب
ميساء العلي



































