تسجل أسعار العقارات في دمشق مستويات مرتفعة تضع السكن خارج متناول شريحة واسعة من المواطنين، في سوق تحكمه الأرقام أكثر مما تضبطه السياسات، وبين عروض بيع تُسعّر بالدولار، ودخول لا تواكب الارتفاع، تتسع الفجوة بين الحاجة الأساسية إلى المسكن والقدرة على امتلاكه، ما يفتح باب التساؤل حول أسباب هذا الارتفاع، وحدود العرض والطلب، ودور الجهات المعنية في تنظيم سوق يُعد من أكثر القطاعات حساسية وتأثيراً على الاستقرار المعيشي والاجتماعي.
دفع هذا الواقع صحيفة “الثورة السورية” إلى الاقتراب من السوق مباشرة، لتتضح الصورة بالأرقام من داخل أحد المكاتب العقارية في منطقة الشيخ سعد بالمزة، حيث بيّن صاحب المكتب، ياسر محمد، أن سعر المتر السكني حالياً في دمشق، في الأحياء الراقية النظامية مثل المالكي وأبو رمانة، يتراوح بين 1000 و5000 دولار للمتر الواحد، ويختلف بحسب الإطلالة، ونوعية البناء، والشارع، وندرة العقار، وعند تحويل هذه القيم إلى الليرة السورية وفق سعر الصرف المتغير في السوق، تصبح الأسعار بعشرات ملايين الليرات للمتر الواحد.
أما في الأحياء المتوسطة داخل دمشق، مثل المزة القديمة، والمزة 86، والميدان، وبرزة، فتكون الأسعار أقل من المالكي وأبو رمانة، لكنها ما زالت ضمن شريحة متوسطة مرتفعة، وتتأثر بعمر البناء، ومستوى الإكساء، والقرب من الخدمات والبنية التحتية، وفي مناطق المخالفات والعشوائيات، كالتضامن ودف الشوك وعش الورور وبعض مناطق المزة 86، ينخفض سعر المتر مقارنة بالأحياء المنظمة، لكنه شهد هو الآخر ارتفاعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، وغالباً ما يعكس نوعية البناء، وغياب التنظيم، وتعقيدات الملكية.
ارتفاع قديم أم حديث؟
يشير العاملون في السوق العقارية إلى أن الفرق السعري بين شقة قديمة وأخرى حديثة في الحي نفسه واضح، إذ يكون البناء الحديث المنفذ بشكل جيد، مع مصعد، وإكساء مناسب، وواجهة، ومرآب، ومخطط نظامي ووثائق مكتملة، أغلى من شقة قديمة بنسبة تتراوح بين 20 و40 بالمئة، وفي المقابل، قد يحتفظ البناء القديم بسعر مرتفع إذا كان في موقع مميز جداً، كشارع رئيسي أو وسط حي مرغوب، إلا أن سعر المتر فيه غالباً ما يكون أقل بسبب قدم الإكساء، ومشكلات البنية التحتية، وغياب المصعد في كثير من الأحيان، إضافة إلى عدم مطابقة بعض الأبنية القديمة للمعايير الحديثة.
وفيما يخص الأسعار المعلنة، يوضح أصحاب المكاتب العقارية أن الأسعار المطروحة في الإعلانات غالباً ما تكون أعلى من السعر النهائي، إذ يوجد في معظم الحالات مجال تفاوض يتراوح بين 5 و15 بالمئة من السعر المطلوب، ويتأثر ذلك بحاجة البائع للسيولة، وجدية المشتري، وندرة العرض، ليكون السعر المعروض في البداية بمثابة “سعر افتتاح” وليس بالضرورة سعر الإغلاق.
ويرصد المكتب العقاري أن بداية عام 2025 شهدت انخفاضاً في أسعار المنازل بنحو 30 بالمئة في معظم المناطق السورية مقارنة بالأشهر التي سبقتها، وهو ما يعكس ضعف الطلب بشكل واضح، ووفق توصيفه، فإن الغالب حالياً هو الشراء لأغراض السكن الفعلي، أي من قبل أسر تبحث عن الاستقرار، أو الشراء لحفظ القيمة من قبل من يملكون سيولة ويخشون تآكلها، إلا أن هذا النمط أيضاً تراجع مقارنة بالفترات السابقة، ما يعني أن السوق تميل حالياً للسكن أكثر من المضاربة الاستثمارية، في ظل حالة ركود عامة.
السوق بالأرقام
وبحسب الأسعار المتداولة حالياً، تبدأ أسعار المتر في الأحياء الراقية مثل حي المالكي من نحو 15 مليون ليرة سورية، وفي أبو رمانة بين 12 و14 مليون ليرة للمتر، بينما تسجل كفرسوسة (تنظيم) قرابة 12.5 مليون ليرة للمتر، وتتراوح أسعار المزة فيلات بين 10 و13 مليون ليرة سورية للمتر.
أما في الأحياء المتوسطة، فيبلغ سعر المتر في المزة القديمة نحو 10 ملايين ليرة، وفي الميدان بين 6 و8 ملايين ليرة، وفي برزة بين 5 و7 ملايين ليرة، بينما يصل في باب شرقي إلى نحو 4 ملايين ليرة سورية للمتر.
وفي مناطق المخالفات والعشوائيات، تُقدر الأسعار بحسب المنزل والموقع، إذ تتراوح في التضامن بين 1.5 و3 ملايين ليرة للمتر، وفي دف الشوك بين 1.8 و3.2 ملايين ليرة، وفي عش الورور بين 2 و3 ملايين ليرة، بينما تتراوح في المزة 86 بين 2.5 و4 ملايين ليرة سورية للمتر.
من يشتري اليوم؟
في المقابل، يعكس الشارع هماً مختلفاً، حيث يرى محمود التلاوي، موظف في الأربعين من عمره، أن الأرقام خرجت تماماً عن حدود القدرة، معتبراً أن امتلاك منزل “بات حلماً مؤجلاً” رغم سنوات طويلة من العمل، وتوافقه الرأي زوجته المعلمة رنا عيسى، التي اعتبرت أن التفكير بالشراء لم يعد واقعياً، فالدخل لا يواكب الأسعار، حتى في المناطق المتوسطة.
أما سامر محمد، وهو شاب مقبل على الزواج، فيشير إلى أن الخيارات باتت محصورة بين الإيجار طويل الأمد أو السكن في أطراف المدينة، لأن دمشق، بحسب رأيه، أصبحت مدينة لا تناسب دخول سكانها.
وتبقى الإيجارات الحالة السائدة بين أغلب من التقتهم صحيفة “الثورة السورية”، حيث أوضح حسام سليمان، وهو مستأجر في منطقة المزة 86، أن الإيجارات وحدها تستهلك معظم دخله الشهري، متسائلاً: “كيف يمكن التفكير بالشراء، حتى في مناطق تُصنف عشوائية؟”، معتبراً أن السوق العقارية اليوم لا تخاطب أصحاب الدخل المحدود، وأن السكن تحوّل من حاجة أساسية إلى عبء يتراكم عاماً بعد عام.
قراءة اقتصادية: عقار بلا حركة
حول حركة السوق العقارية في دمشق، قدم الباحث الاقتصادي عمار يوسف قراءة مختلفة، مؤكداً أن السمة العامة اليوم ليست الارتفاع بقدر ما هي الجمود، موضحاً أن دمشق تاريخياً من المدن التي حافظت على أسعار عقارات مرتفعة، وقاربت في قيمها عواصم ومدناً عالمية، إلا أن المرحلة الراهنة تشهد حالة سبات واضحة، فبالرغم من أن الأسعار تبدو مرتفعة عند احتسابها بالليرة السورية، إلا أنها فعلياً لم ترتفع بالدولار، بل حافظت على مستوى شبه ثابت منذ نحو خمسة أشهر.
وربط يوسف هذا الجمود بغياب شبه كامل لحركة البيع والشراء، وهو ما ينعكس في تراجع معاملات البيوع العقارية ورسومها وضريبة براءات الذمة المالية، مؤكداً أن انخفاض القدرة الشرائية، والظروف الاقتصادية الصعبة، والعقوبات التي لا تشجع دخول الاستثمارات، تشكل الأسباب الأساسية لركود السوق، مضيفاً أن المضاربة العقارية، وإن كانت موجودة وغير معلنة، تمر حالياً بحالة جمود لغياب المحفزات الاقتصادية.
وأشار إلى أن كلفة البناء بحدّ ذاتها ليست العامل الحاسم في تحديد الأسعار، إذ تبقى متقاربة بين المناطق، بينما الفارق الحقيقي يكمن في قيمة الأرض والموقع، معتبراً أن العقار في سوريا تحوّل إلى خيار استثماري وائتماني في آن واحد، في ظلّ غياب بدائل استثمارية، ما يدفع من يملك السيولة إلى العقار لحفظ القيمة، رغم أن قيمته الفعلية لأغراض السكن أقل بكثير من الأسعار المتداولة.
ورغم الركود، يلاحظ يوسف وجود حركة أنشط نسبياً في المناطق الشعبية ومناطق المخالفات مقارنة بالأحياء الراقية والمتوسطة النظامية، بسبب محدودية قدرة المواطنين، مؤكداً أن السوق تحكمه آلية العرض والطلب دون وجود ضوابط فعلية، مع انتشار التعامل بالدولار نتيجة ضخامة المبالغ وشح السيولة، إضافة إلى الفجوة بين أسعار العرض وأسعار البيع الفعلية.
الموقف الرسمي: السوق حر
على المستوى الرسمي، أوضح رئيس لجنة الاستثمارات والتطوير العقاري في غرفة تجارة دمشق، محمد بن مروان أورفه لي، أن أسعار العقارات تخضع لضابط العرض والطلب، وأن السوق يعمل ضمن اقتصاد السوق الحر، ولا سلطة لأي جهة في تحديد الأسعار، مؤكداً أن دور الغرفة استشاري وتنسيقي، وليس رقابياً، وتعمل على حلّ الخلافات والعقبات التي تعترض السوق. د
وأشار إلى وجود دراسات تسعير استرشادية أُنجزت، معتبراً أن ضبط حالات المضاربة أو رفع الأسعار غير المبرر يكون عبر سلوك السوق نفسه، وربط أورفه لي بين التنظيم العمراني وزيادة العرض، معتبراً أن افتتاح مناطق تنظيمية ومشاريع جديدة يساهم في تخفيف الضغط السعري، كما رأى أن الفجوة بين أسعار العقارات ودخل المواطنين تستدعي دوراً أكبر للمصارف في تمويل السكن عبر قروض طويلة الأجل.
ختاماً، في دمشق، لم تعد أزمة السكن مرتبطة بتقلبات السوق بقدر ما أصبحت انعكاساً لفجوة عميقة بين الأسعار والدخل، فبين عقارات تُعرض بالدولار، وسوق يشهد جموداً واضحاً، وغياب حلول تمويلية حقيقية، يتحول امتلاك المنزل إلى خيار متاح لفئة محدودة فقط، بينما يبقى السكن حلماً مؤجلاً لغالبية السكان، في مدينة تتسع فيها الأسعار أكثر مما تتسع البيوت لأهلها.
علا مفيد محمد
المصدر: صحيفة الثورة السورية



































